
في رحيل صلاح الدين الفاضل
د. عبدالعظيم عوض
حين التحقنا بالعمل الإذاعي كنت تواقا لمعرفة بعض نجومها الذين ملأوا آفاق تلك الأيام ابداعا وفناً ، وكان من بين هؤلاء صلاح الدين الفاضل مخرج الدراما الشاطر الذي أحال حكايات حمدنا الله عبدالقادر المخطوطة على الفلسكاب إلى واقع معاش أشبه بالحقيقة داخل بيوت السودانيين ، كان الراديو في تلك الأيام متربعا على عرش الإعلام بلا منافس ..
وجدت صلاحا كما توقعت لا يشبه الآخرين يومه كله للإذاعة ودوام عمله لا حدود له فتعلمنا منه أن العمل في الإذاعة ليس وظيفة محدودة بزمن وميقات معين ، إنما هو تفرغ كامل لعطاء بلا ساحل وحب وعشق لا حدود له .. كنتُ وزميلي عوض ابراهيم عوض نبقى معه لساعات داخل الاستديو لنتعلم كيف يتحول النص المكتوب على الورق أو الفكرة إلى إبداع أساسه الصوت وايُ صوتٍ كان امامنا ونحن في حالة أشبه بالذهول ، كانت ليلى المغربي وفوزية يوسف وأمينة عبدالرحيم وتحية زروق ومحمد خيري أحمد وعوض صديق وعثمان محمد صالح ومحمد رضا حسين وأحمد اسماعيل وصلاح حسن أحمد وحمدنا الله عبدالقادر وغيرهم من مبدعي بلادي ، كنا نقضي الساعات مع صلاح الدين الفاضل وهو يصوغ ويلوّن كل هذه الأصوات الجاذبة في برنامج لا تتجاوز مدته ربع الساعة .. تعلمنا من صلاح في ذلك الوقت كيف ترى وتحس وتلمس وتتذوق عبر حاسة وحيدة وهي السمع وكانت تلك هي نظرية صلاح الدين الفاضل التي أسماها[ فن الرؤية عبر الأُذُن] وخرجت للناس من خلال اطروحته للماجستير ثم الدكتوراه فيما بعد …
في سبعينات القرن الماضي التحق صلاح الفاضل بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح مبعوثا متفرغا من الإذاعة السودانية .. لكنه ولدهشة زملائه لم يتفرغ ، ظل هنا وهناك مابين المعهد والإذاعة إلى حين تخرجه بتفوق من قسم الدراما وواصل في نهل العلم إلى أن بلغ أعلى مقاماته بحصوله على درجة الاستاذية ليتفرغ من بعد ذلك للتدريس الجامعي بكليات الإعلام والصحافة ويتخرج على يديه مئات الطلاب من دارسي الإعلام وفنون الإذاعة والتلفزيون..
أراد الله سبحانه وتعالي أن يختار صلاحا إلى جواره في يوم جمعة وفي مطلع شهر شعبان المبارك ونحن نخطو نحو أيام رمضان المباركات … ومثل صلاح لاتنتهي حياته بالموت الذي هو سبيل الأولين والآخرين ، لأن اعماله ستظل خالدة تحكي للأجيال عن مبدع سوداني متفرد اسمه صلاح الدين الفاضل أرصد ، ترك من بعد رحيله في مكتبة الإذاعة الصوتية مئات الأعمال الدرامية وعشرات البرامج التي تشهد له بالتفاني في مهنة أحبها حد العشق ، وخلف كما هائلا من الافكار البرامجية والاعلامية نذكر منها على سبيل المثال إذاعة البرنامج الثاني التي تُعني بالفكر والثقافة السودانية ، وهو مبتكر ومصمم ومنفذ فترة المنوعات الرمضانية وهو البرنامج الحي المباشر الذي مازال يذاع طيلة شهر رمضان لثماني ساعات يوميا ، ترك صلاح عشرات البحوث والكتب والمقالات الرصينة في مجالات الإذاعة والتلفزيون والاعلام عموما لتعين الدارسين وطلاب الإعلام …
أخيراً … فإن صلاح الدين الفاضل كما وصفه السفير عبدالمحمود عبد الحليم وهو يواسيني معزيا هو ( أحد بساتين الإبداع في حياتنا الأدبية والثقافية) …
اللهم قد جاء اليك عبدك صلاح في يوم من أيامك الطيبة المباركة فارزقه أعلى الجنان واجعل قبره روضة من رياض الجنة وعافه واعفو عنه وارحمه واغفر له وانزله رفقة الصالحين من عبادك الأتقياء الأنقياء واجعل اللهم البركة في ذريته وأهله وعقبه أجمعين وأعنا يا الله بالصبر والسلوان على فراقه العظيم. والحمد لله ربّ العالمين …