
هل تُضيء (الطاقة الخضراء) عتمة ما بعد الحرب؟
شيء للوطن
م.صلاح غريبة
*يحتفل العالم في السادس والعشرين من يناير بـ اليوم العالمي للطاقة النظيفة، وهو التاريخ الذي يوافق ذكرى تأسيس الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA). وبينما يمر السودان بواحدة من أصعب فترات تاريخه المعاصر، تبرز قضية الطاقة ليس رفاهية بيئية، بل كضرورة وجودية وأساس متين لا يمكن بدونه الحديث عن (إعادة إعمار) حقيقية أو استقرار مستدام.
*لقد دمرت الحرب البنية التحتية المتهالكة أصلاً لقطاع الكهرباء في السودان، مما جعل الاعتماد على الشبكات المركزية والوقود الأحفوري المستورد عبئاً اقتصادياً وأمنياً ثقيلاً. إن التوجه نحو الطاقة النظيفة في مرحلة ما بعد الحرب يمنح السودان ثلاث مزايا استراتيجية اللامركزية والسرعة ببناء محطات شمسية صغيرة أو متوسطة في الأقاليم أسرع وأجدى من انتظار إصلاح خطوط النقل القومية الطويلة التي قد تتعرض للتخريب أو الأعطال، والاستقلال الاقتصادي بتقليل فاتورة استيراد الوقود (الفيرنس والديزل) يوجه الموارد الشحيحة نحو الصحة والتعليم، ودعم الإنتاج، الزراعة هي العمود الفقري للاقتصاد السوداني، والتحول للري الشمسي هو الضمان الوحيد لاستمرار الإنتاج بعيداً عن أزمات الوقود المتكررة.
*يمتلك السودان إمكانات طبيعية تؤهله ليكون قوة إقليمية في الطاقة النظيفة، وهي موارد لا تحتاج سوى للإرادة السياسية والتشريعات الجاذبة، بالطاقة الشمسية، حيث يتمتع السودان بأعلى معدلات سطوع شمسي في العالم (تتراوح بين $5.5$ إلى $6.6$ كيلووات ساعة/متر مربع في اليوم). يمكن لهذه الطاقة أن تشغل المزارع في الشمال، والمستشفيات في دارفور، والمصانع في الخرطوم، ورغم التحديات بالطاقة المائية تظل السدود (مروي، الروصيرص، وسنار) ركيزة أساسية توفر حالياً أكثر من $50\%$ من حاجة البلاد، مع فرص هائلة لتطوير وتحديث التوربينات لزيادة الكفاءة، وطاقة الرياح، حيث تشير الدراسات إلى وجود أحزمة رياح قوية خاصة في مناطق ساحل البحر الأحمر وشمال السودان، وهي مناطق مثالية لتوليد الكهرباء بأسعار تنافسية، بالاضافة الى الكتلة الحيوية مع وجود قطاع زراعي وحيواني ضخم، يمتلك السودان فرصة لإنتاج “الغاز الحيوي” ووقود الإيثانول (كما في تجربة شركة سكر كنانة)، مما يوفر بدائل نظيفة للطهي والإنارة في الريف.
*إن إعمار السودان لا يجب أن يكون مجرد ترميم للماضي، بل قفزة نحو المستقبل.. إن الاستثمار في الطاقة النظيفة هو استثمار في كرامة المواطن السوداني الذي يستحق الحصول على كهرباء مستقرة، مستدامة، وبسعر معقول. يجب أن تكون مشروعات الطاقة المتجددة في قلب أي خطة دولية أو محلية للإعمار، لتكون الشمس التي غابت عن بيوت السودانيين هي ذاتها المصدر الذي يضيء مستقبلهم.
*إن الطاقة النظيفة ليست مجرد بديل تقني، بل هي العقد الاجتماعي الجديد بين الدولة والمواطن لتحقيق تنمية لا تستثني أحداً