الأدب الصوفي بين الوجدان والفلسفة
شروق يحيى – العراق:
يُعد التصوف بشكل عام أسلوب حياة وطريقة خاصة في السلوك يتبعها الإنسان من أجل تهذيب أخلاقه والوصول إلى معرفة الحقيقة وتحقيق السعادة والطمأنينة الروحية. ورغم أن مصطلح التصوف شائع ومتداول، إلا أنه يُعد من المفاهيم غير الواضحة تمامًا، إذ تختلف دلالاته وتتعدد معانيه. ويعود سبب هذا الغموض إلى أن التصوف ظاهرة اشتركت فيها ديانات وفلسفات وحضارات مختلفة عبر عصور متعددة، لذلك يعبر كل صوفي عن تجربته وفق ما يسود مجتمعه من أفكار ومعتقدات كما يتأثر أسلوبه في التعبير بحالة العصر الذي يعيش فيه سواء كان عصر ازدهار أم تراجع.
وينقسم التصوف إلى نوعين رئيسين: تصوف ديني وتصوف فلسفي. فالتصوف الديني ظاهرة مشتركة بين جميع الأديان سواء كانت سماوية أم من الديانات الشرقية القديمة. أما التصوف الفلسفي فهو قديم أيضًا، وقد عرفته الحضارات الشرقية وظهر في الفلسفة اليونانية ثم امتد حضوره إلى الفكر الأوروبي في العصور الوسطى والحديثة.
إن الأدب الصوفي غزير بالمفاهيم الوجدانية والروحية فهو يخاطب الشعور الإنساني عند كل فرد حيث يشمل مفاهيم (الوجد، العشق، الخيال، التجربة الشعورية) لكنه في الوقت نفسه يعبر عن رؤية فلسفية تكمن في (التفكير، التأمل، المعرفة، السؤال عن الحقيقة).
ومن هنا جاءت خصوصيته: هل هو أدب شعوري محض أم خطاب فلسفي مستتر خلف لغة الرمز؟
ينطلق الأدب الصوفي شعرًا كان أم نثرًا، من الوجدان فهو تعبير حقيقي لما يعيشه المتصوفة من تجربة داخلية عميقة تتمثل في لحظة كشف أو حال روحي يعجز اللسان العادي عن وصفها فتتمثل لغتهم بصورة الرمز والمجاز يعبرون من خلالها عن مشاعرهم ورؤيتهم الروحية في حالات الوجد الذي يُعد (حالة روحية انفعالية تعتري الصوفي نتيجة تجل إلهي أو حضور قلبي عميق يفقد فيها إحساسه بالعالم الخارجي ويغلب عليه الشعور بالمحبة أو الشوق أو الفناء.
ولهذا نجد أن النص الصوفي مشحون بحرارة الشعور والعاطفة والانفعال الصادق نتيجة معاناة روحية طويلة ورياضات نفسية يقوم فيها المتصوف لتطهير قلبه وانفصاله عن شواغل العالم المادي وهذا الوجدان والتعبير الشعوري وإن كان نابعًا من شعور المتصوفة وإحساسهم فهو في الوقت نفسه يعبر عن رؤية فلسفية يمكن إدراكها بمفاهيم الفناء، والبقاء، والوحدة، والحقيقة، التي تعبر عن موقف معرفي للكون في نظرهم. فهذه المفاهيم، وإن صيغت بلغة وجدانية، إلا أنها تحمل في عمقها بعدًا فلسفيًا يجعل الأدب الصوفي نصًا قابلًا للتأويل العقلي لا مجرد تفريغ شعوري.
فنلاحظ هذا التداخل بين الوجدان والفلسفة في أعمال كبار المتصوفة مثل الحلاج فهو لا يكتفي بالتعبير عن حب إلهي شعوري وإنما يطرح من خلال لغته الشعرية إشكالات معرفية تتعلق بتفسير الكون وحدود الذات الإنسانية.
وكذلك ابن عربي مزج بين الشعر والفلسفة حيث أصبح النص الصوفي عنده بناءً فكريًا معقدًا يخفي وراء رمزيته نسقًا فلسفيًا قائمًا على وحدة الوجود وتعدد التجليات.
ومن هنا يمكن القول إن لغة الأدب الصوفي ليست غامضة لذاتها بل لأنها تحمل رؤية فكرية ووجدانية مزدوجة فهي لغة تسعى من خلال الإيحاء والإشارة إلى التعامل مع حقائق تتجاوز المنطق العقلي الصارم. ولهذا ظهرت إشكالية تفسير هذا الأدب عند الفقهاء والفلاسفة إذ رآه بعضهم إفراطًا في العاطفة، ورآه آخرون تفلسفًا خارج النسق العقلاني المألوف.
ومن هنا أود الإشارة إلى ما ذكره الدكتور أبو العلا عفيفي في حديثه عن العلاقة بين الفلسفة والتصوف: إن التصوف يقوم أساسًا على تجربة روحية ذاتية أو ما يُعرف عند الصوفية بـ(الحال) وهي تجربة وجدانية خاصة يعانيها الصوفي وتتميز بخصائص تجعلها مختلفة عن سائر الأحوال النفسية الأخرى. وانطلاقًا من ذلك يؤكد عفيفي أن التصوف لا يمكن عده فلسفة بالمعنى العقلي النظري الخالص إذ إن الفلسفة تقوم على بناء نظريات ميتافيزيقية قابلة للنقاش والبرهنة في حين أن التجربة الصوفية لا تُقاس بمعايير الصدق والكذب ولا يُطالب صاحبها بالدليل، لأنها تجربة شخصية وجدانية يُصدقها من يتلقاها أو يُعرض عنها من دون إلزام عقلي.
ومن الناحية النقدية لا يمكن قراءة الأدب الصوفي بمنهج واحد مغلق فقراءته من الناحية الوجدانية الشعورية تفرغه وتصرف عنه عمقه الفكري وكذلك قراءته من الناحية الفلسفية تجرده من روحه التجريبية. لهذا يمكن القول هنا إن المنهج الأنسب لقراءة الأدب الصوفي هو المنهج التكاملي الذي ينظر إلى النص الصوفي بوصفه خطابًا مركبًا تتجاوز فيه التجربة الذاتية مع الرؤية الكونية ويتداخل فيه الحس الجمالي مع التفكير والمنطق.
وخلاصة القول إن الأدب الصوفي يقف في منطقة وسطى بين الشعور الوجداني والفلسفة فهو يحاكي القلب والعقل في آن واحد ويجعل القارئ يبحر في عالمه غير المحدد بطابع واحد فيشعر من خلاله بين الذوق والتأمل وهو بذلك يمثل تجربة إنسانية شاملة تحاول عبر اللغة أن تصالح الوجدان مع الفكر وأن تجعل من الأدب وسيلة لمعرفة الذات والعالم لا مجرد أداة للمتعة الجمالية. ولهذا ظل الأدب الصوفي رغم تعقيده حيًا ومتجددًا وقابلًا للقراءة والتأويل عبر الزمن
*باحثة دراسات أدبية عليا