قصة (طريق الأحلام)
محمد كسبه – مصر:
ذات ليلة، التقيا مصادفةً وجهاً لوجه، كلٌّ منهما ندٌّ للآخر، وكلٌّ منهما يريد أن يثبت أنه الأفضل، الأقوى، والمسيطر بلا منازع. بدون تردد وبكل ثقة، بدأ النوم كلامه قائلاً: أنا السلطان، لا يقهرني أحد، ولا يقاومني أحد، أخضعتُ رؤوس الجبابرة والعظماء، فالكل في حضرتي خاضع. حين آتي إلى أحدهم يرتاح من العناء والتعب أو يهرب من الواقع، وحين يأتيني من لا أرغب فيه، أعكّر صفوه، وأقلب مزاجه، وأجعله مرتبكاً قلقاً. أنا طائر الليل، حين أهفو بأجنحتي تغمض العيون، فمن أنتَ ومن تكون؟.
أجابه الآخر: أنا واضح، صريح، ومباشر.. أنا العمل؛ يعني الجد والاجتهاد. إن أخلصَ أحدٌ لي نال ما تمنى ووصل إلى ما يريد، فقط عليه المداومة والصبر والالتزام
ردّ النوم بسخرية: أنت مخادع، مضلل وكلامك أجوف، لا تجيد إلا الثرثرة! تتحدث عن العمل كأنه المنقذ والمخلص، وتعدُ بالوعود الكاذبة. العملُ وحدَه لا يحقق الأحلام؛ فالبعض يعمل كالآلة ولا يحصّل أدنى مستويات المعيشة، والبعض لا يعملون بجد ويحصدون مكاسب رهيبة. الحظ هو من يحقق الأحلام وليس العمل يا صديقي، دع الأحلام لي، فأنا من يديرها بكفاءة واقتدار.
قال العمل: أيها النوم، إنك تتحدث وكأنك ملاك يريح العالم من الواقع الكئيب، ألا ترى أنك واهمٌ ولا ترى الصورة بوضوح؟ النوم قد يكلف البعض حياته، وقد يهدم ما بناه الآخرون، ثم إن معظم الحوادث في العالم تقع بسببك أنت، فأنت لا تعلم شيئاً عن حقيقة نفسك.
ارتبك النوم وقال: وضح أكثر، كلامك مستفز جداً وأنا لا أتحمل الإهانة.
سأله العمل: ماذا تفعل الآن؟
أنا أمارس عملي
قلت (عملي) أليس كذلك؟
نعم، وهل في ذلك خطأ؟
*لا، ليس خطأً، لكنك يقظ دائماً
أحياناً أغفو قليلاً
*وماذا يحدث إذا نمتَ مدة طويلة
تلك مصيبة كبرى! لن تجد أحداً في الدنيا نائماً، ولن يستريح أحدٌ من التعب، وكذلك المرضى لن تسكن آلامهم، وسيتغير نظام الكون كله؛ فبدون نوم لا توجد أحلام.
علّق العمل قائلاً: يا صديقي، أحلام النوم ليست أحلاماً حقيقية، إنها أضغاث أو كوابيس ونفوس متعبة لم تسترح. عليك الآن أن تكون نائماً؛ فكيف يكون اسمك (النوم) وأنت يقظ دائماً؟.
صمت النوم قليلاً، ونظر يميناً ويساراً ولم يعرف كيف يرد، لكنه بادر بالهجوم على العمل وانتقده نقداً لاذعاً: أيها العمل، أين أنت؟.
*أنا هنا، أنا في كل مكان، كل شيء في الكون يعمل.
ضحك النوم بصوت عالٍ، وأشار بإصبعه إلى صدر العمل وقال: أنت فخور بأن الكل يعمل، أليس كذلك؟
هذا شرف ل
“وكيف يكون شرفاً وأنت لم تحدد نوع العمل؟ فبعض العمل شرف، وبعضه مذلة.
*وكيف يكون العمل مذلة؟
سأوضح لك؛ هناك عمل شريف وآخر غير شريف، وأنت تحمل الصنفين، لا تفرق بين السارق والمسروق، أو بين الجاني والضحية. أي فخر هذا الذي تبديه؟! فبعض الأعمال سيئة وتدين أصحابها أيها العمل.
*أجاب العمل بهدوء: صديقي النوم، لكل منا إيجابيات وسلبيات، وأنا أعمل جاهداً على أن أهدي الناس للتفكير الإيجابي، ليحققوا أهدافاً صالحة تخدم المجتمع.
*ختم النوم الحوار قائلاً: لا بأس.. العمل والطموح وتحقيق الأحلام شيء ممتاز، لكن يجب أن يكون إيجابياً يحقق للفرد ذاته ويرتقي به المجتمع.
وأجاب العمل: وكذلك النوم، يجب أن يكون للراحة، ويجب أن يخلو من الكوابيس. كما أوصيك ألا تجعل رؤوس المسؤولين عن الرعية تترنح يميناً أو يساراً في وقت العمل؛ فتسبب الكوارث التي تخلف وراءها الكثير من الضحايا.
ضحك النوم وابتسم العمل، ومشيا سوياً في طريق الأحلام، وفجأة قال العمل: أحب أن أذكرك بأن مقولة (النوم سلطان) مقولةٌ خاطئة
رد النوم: يا صديقي، إنها أمثال شعبية وحِكَمٌ تتوارثها الأجيال؛ فلا النوم سلطانٌ، ولا كل العمل عبادة.. أليس كذلك أيها العمل؟.
أجاب العمل: بلى، العمل الحلال عبادة.
يا لك من مخادع حدثتني عن أحلام النوم و أنا أتحدث عن أحلام اليقظة و الطموح و الأهداف.
تثاءب النوم وقال: سأغفو قليلاً كي تستريح من الكلام أيها العمل.