قراءة أولية في كتاب (مستقبل بلد في جيشين)
- الكتاب ساوي كاتبه بين الجيش الوطني والمليشيا التي تمردت عليه
- الكتاب محاولة لكشف خفايا كل صور التمكين التي حظيت بها المليشيا
- الفرصة سانحة الآن لاغتسال الجيش السوداني من درن المليشيات والتسييس
تحليل – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
رغم إني تلقيت الدعوة لتدشين كتاب (مستقبل بلد بين جيشين – القصة الخفية للثنائية العسكرية في السودان ) للأستاذ الصحفي المصري علي فوزي عبر وسيط التراسل الفوري (واتساب) متأخرة بل قبل نصف ساعة من بدء الفعالية التي نظمها المنتدى الثقافي للمجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات مساء الخميس الماضي بمقر حزب الكرامة المصري الكائن بالدقي محافظة الجيزة بجمهورية مصر العربية إلا إنني لبيت الدعوة لأهمية عنوان الكتاب ولارتبارطه بالأحداث الجارية في السودان والمتمثلة في الحرب الماثلة بالسودان والتي زادت المشهد السوداني العام تعقيدا على ما به من تعقيدات على المحاور السياسىة والأمنية والعسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.
الكتاب جاء في وقته:
بتقديري إن الكتاب من حيث التوقيت جاء في وقته تماما إذ لم تزل الحرب التي ادخلت مليشيا الدعم السريع البلاد كلها في مآزقها ونفقها المظلم تدور رحاها مع الجيش السوداني والقوات المساندة له (القوات المشتركة والمستنفرين) وبرغم أن الوقت ما زال مبكرا لصدور دراسات متعمقة عن مليشيا الدعم السريع والظروف التي صاحبت تشكيلها والأدوار التي لعبتها وانحرافها عن الغاية من تأسيسها وتأثير ذلك على الدولة السودانية وجيشها الوطني إلا أن صدور هذا الكتاب من صحفي مصري باحث في الشئون الافريقية يكسب الكتاب أهمية لصدوره في هذا الوقت لاسيما وأن العاصمة المصرية القاهرة وبقية مدن جمهورية مصر العربية تستضيف بسبب هذه الحرب الماثلة مئات الآلاف من الوان الطيف السوداني من الأحزاب السياسية ورجال الأعمال والقوات النظامية والطرق الصوفية والبيوتات الدينية والناشطين في منظمات المجتمع المدني والإدارات الأهلية وشرائح أهل الفن والإبداع الاعلامي الرقمي والرياضيين بكل شرائحهم فضلا عن أصحاب المهن المختلفة وأساتذة الجامعات وأساتذة التعليم العام والمعاشين.
الدراسة ليست الاولي ولكن:

صحيح أن قوات الدعم السريع التي تمردت على الدولة وخرجت عليها وقادت عليها الحرب المدعومة من دولة الإمارات العربية المتحدة بكل تفاصليها و تداعياتها وآثارها الماثلة تحتاج لدراسات ولأبحاث علمية تسبر غورها وقد أصدر الباحث مأمون موسى دودين دراسة بعنوان(دور قوات الدعم السريع والاستقرار في السودان ) والتي صدرت في كتاب اوائل العام 2022م ولم احصل عليها ولكني قرأت مستلخصا لها في بعض المواقع الالكترونية وواضح من عنوان الدراسة ومستلخصها انها محاولة لتغيير الصورة الذهنية لقوات الدعم السريع حتى بعد تقنينها في العام 2017م إذ أن الممارسات التي اشتهرت بها هذه القوات فيها الكثير من المشاكل والتي اتضحت لاحقا بشكل جلي في هذه الحرب من خلال أن افرادها يفتقدون لكل قواعد الالتزام والانضباط العسكري والسلوكيات المتعلقة بالضبط والربط العسكري كما انهم ونتيجة لذلك وعدم المامهم بالقانون الدولي الإنساني الذي تنظم بعض نصوصه التعامل أثناء الحروب والنزاعات خاصة الاسرى والمدنيين في مناطق الحروب والنزاعات والأعيان المدنية ولعدم تلقيهم لأي جرعات في محاضرات التوجيه المعنوي والعقيدة القتالية لهذه القوات والتي منذ بدايات تشكيلها حتى الآن إن عقيدتها تشكلت في المحاضن الاجتماعية والمناطقية مما جعل مستوى خطابها العام متسما بالعدائيات المستندة على خطاب الكراهية ونوازع النقاء العرقي ومجمل القول أن هذه الدراسة مثلت حملة علاقات عامة قدمها الكاتب لقوات الدعم السريع ولكن لا أدري هل برغبة منه أم بناءا على طلب ودعم قدمته له قيادة الدعم ومولت له الدراسة.. أما الدراسة الثانية فقد صدرت في نسخة إكترونية من مركز ابحاث السودان بعنوان (قوات الدعم السريع النشاة والتمدد والطريق إلى حرب 15 أبريل 2023م) للدكتور سلمان أحمد محمد سلمان وهذه الدراسة كانت عبارة عن أوراق علمية نشرها الدكتور سلمان ثم جمعها في دراسة واحدة بعد الحرب باسابيع قليلة كشف فيها حزمة الاسباب والعوامل التي أدت لنشوب حرب 15 أبريل2025م والمستمرة حتى الآن.. وفي تقديري إن الدراسة قد جاءت في وقتها تماما إلا أن استمرار الحرب حتى الآن يستوجب تطوير هذه الدراسة حتى يتم استخلاص نتائج وتوصيات جديدة إذ أن استمرار الحرب حتى الآن وما افرز من تداعيات يستلزم اخضاع أمر قوات الدعم السريع المتمردة إلى المزيد من الدراسات المتعمقة.
خلط في عنوان الدراسة:
الدراسة محل القراءة الأولية عنوانها (مستقبل بلد بين جيشين – القصة الخفية للثنائية العسكرية في السودان) للكاتب الصحفي والباحث المصري علي فوزي القارئ لها ومن الوهلة الاولى بل من العنوان نفسه يكون منتقدا لها
لأن هناك اشكالية واضحة ان الكاتب الباحث لم ينتبه لها وهي ان عجز عنوان الكتاب الرئيسي لم يكن دقيقا من الناحية العلمية (في جيشين) فكلمة في جيشين غير دقيقية لأن الصحيح ان الجيش السوداني ظل ولفترات طويلة يستعين بقوات له في مناطق السودان المختلفة لقطع الطريق أمام تمدد الجغرافيات المتمردة (جنوب السودان – جنوب كردفان- غرب كردفان – شرق السودان- دارفور ) حيث استعان الجيش بما يعرف بالقوات الصديقة وحرس الحدود والمستتابين من عصابات النهب المسلح حتى قوات الدعم السريع وقوات الدفاع الشعبي والبراء ون) كلها في قوانيينها وأوامر تأسيسها لم تسمى جيوش وإنما قوات مساندة على اختلاف اسمائها.. واجد نفسي متفقا تماما مع اللواء الركن الدكتور أمين اسماعيل مجذوب الخبير الاستراتيجي والذي صوب من خلال حديثه في تدشين كاتب الصحفي والباحث المصري علي فوزي الخميس الماضي إذ أشار إلى ان مسألة جيشين هذه فيها تقليل من احترافية الجيش السوداني كما أن عبارة (القصة الخفية للثنائية العسكرية في السودان ) غير دقيقة ولا تتسق مع التعريف العلمي للجيش الاحترافي لان قوات الدعم السريع ونتيجة لتقديرات صناع القرار وقتها اقتضت ان تكون مساندة للجيش وفق نظم معمول بها في كل الجيوش ولكنها لا تتعدي إلى أن تصل لمرحلة تسميتها ب(جيش) ولا حتى اضفاء صفة(ثنائية )عليها ولا حتى صفة كيان مواز للجيش ولكن يبدو أن الطموحات الزائدة لقيادة الدعم السريع وجهلها بالمفاهيم العسكرية قد مهد لها الطريق لتقمص حالة الجيش البديل أو المواز وفي تقديري أن مساواة الكاتب لقوات تمردت على الجيش الأصل الذي كانت جزءا منه بالجيش الاحترافي الأصل فيه خطأ علمي لايستند إلى حقائق علمية أو موضوعية ذلك لأن الدعم السريع في الاصل هو عبارة عن قوات مساندة للجيش فرضت بعض الظروف والتقديرات العسكرية والأمنية والسياسية وجودها.
الدعم السريع (أمه )الدولة ولكن:

الحقيقة التي لاجدال فيها أن قوات الدعم السريع هي وليد ولدته الدولة السودانية نتيجة ظروف معينة واصبحت (اما) له ولكن نتيجة لأخطاء استراتيجية لصناع القرار بعد تقنينه وبعد ثورة ديسمبر2018م والتغيير2019م هي التي أدت لتمدده واصبح متمكنا في المحاور السياسية والاقتصادية والاجتماعية ثم في مرحلة ما بعد 11 أبريل2019م اصبح قائد الدعم السريع هو الذي يتمدد وما دونه من الناس (مسئولين وغير مسئولين ) والاشياء يراجعون ..وكمثال لذلك التمدد ان وزيرة المالية والاقتصاد الوطني في حكومة حمدوك الاولى قد دفعت لحميدتي مبلغ 50 مليون دولار ليتنازل للحكومة عن جبل عامر الذي يقع تحت سيطرته مسودع الذهب في السودان ويبدو ان حميدتي قد استلم المبلغ ولم يسلم الحكومة جبل عامر المخبؤة بالذهب وذلك وفقا لحديث اللواء الدكتور أمين إسماعيل مجذوب أي تمدد أكثر من هذا.
زبدة القول عن الكتاب:
عموما زبدة القول وخلاصته ان الكتاب محاولة لكشف خفايا التمكين العسكري والأمني الذي حظيت به مليشيا قوات الدعم السريع ولكن هذا التمكين لم يصل لمرحلة الثنائية أو مرحلة أن يكون الدعم السريع جيشا موازيا ولكن من المهم جدا القول إن الفرصة سانحة الآن لصناع القرار لاغتسال الجيش السوداني من درن المليشيات وتسليح وتسييس القبائل والمجموعات السكانية أو التسليح والتسييس على أسس عرقية ومناطقية لأن ذلك ثبت بالأدلة والشواهد أن ضرره أكثر من نفعه ولعل ذلك ما عناه أول امس الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في خطابه في احتفال تخريج دفعة تأهيلية جديد خاصة بجهاز المخابرات العامة حيث قال(لن نسمح بأي تمرد جديد) وبإعمال مفهوم المخالفة لعبارة البرهان فان الأمر يعني أن البقاء على قوات الدعم السريع كجزء من المعادلة العسكرية والسياسية القادمة يعني التمادي في الخطئية الاستراتيجية التي أوجدت الدعم السريع ومكنته وجعلته يتمدد حتى ظن بل توهم الكثير من الناس ومنهم الكاتب الصحفي والباحث علي فوزي أن قوات الدعم تمثل جيشا موازيا للجيش السوداني.