
صلاح الدين الفاضل اسم على مسمى
موقف
د. حسن محمد صالح
*رحل عن دنيانا الفانية البروفسير القامة أستاذ الأجيال صلاح الدين الفاضل فهو اسم على مسمى فقد كان صالحا للدين وفاضلا كثير الإستغفار والإنابة والرجوع إلى الله .. وكان فاضلا يذوب إنسانية وعطفا على الناس من حوله .. كان صلاح الدين الفاضل أستاذنا وصديقنا عندما جلسنا أمامه طلابا للماجستير بجامعة الخرطوم كان يقدم المادة الأكاديمية كما يقدم العبر والدروس والذكريات . له ضحكة مجلجلة وابتسامة تدل على قلبه الأبيض ونفسه المليئة بالجمال والعطاء وحب الناس والمساكين منهم على وجه التحديد فكأنه يقتدي بالمأثور اللهم أحشرني في زمرة المساكين .. ولفائدة الأجيال فإن صلاح الفاضل لم يكن الطريق أمامه مفروشا بالورود ولم يولد وفي فمه معلقة من ذهب ولكنه كافح بشهامة وطلب العلم بشغف وصبر ، هاجر إلى مصر ولفت نظر المصريين إلى قدراته في الإخراج الإذاعي والدرامي وصار أستاذا وهو طالب وهذا ما يعرف بتبادل العطاء بالعطاء والود بالود ودعوه مباشرة لدراسة الماجستير بعد أن أكمل البكالوريا.
*خدم الأستاذ صلاح الدين الفاضل الإذاعة السودانية وبث فيها معارفه وفنونه وراهن على حاسة السمع التي تميز وسيلة الراديو عن غيره من وسائل الإعلام وحقق قول الشاعر الأذن تعشق قبل العين أحيانا بأن ما يسمعه الناس يرونه في الخيال يتأملونه في الواقع المعاش فسمي نظريته الرؤيا بالأذن بالتركيز على المؤثرات الصوتية فكنت وأنت المستمع للبرامج والدراما الإذاعية ترى الظلام والمطر والحريق والنهر في مسلسلاته الإذاعية مثل خطوبة سهير وغيرها .. كانت الإذاعة السودانية هي مملكة صلاح الفاضل وهو ملكها غير المتوج ،وابن سرحتها الذي غنى بها كما قال التجاني يوسف بشير، عمل الراحل المقيم في الإذاعة التي ولج إليها في العام 1968م مذيعا ثم مخرجا ومديرا وكما قال الشاعر يكفيك أن مديرها خريجها .
*خلال سنواته التي عمل فيها مديرا حقق لراديو أم درمان الانتشار وبلغ به الأرجاء ومنح العاملين معه حرية الإبداع في كافة البرامج السياسية وفي الأخبار مع الحرص على نقل قضايا الناس وقلب الشارع.
*كان صلاح الدين الفاضل عطوفا غزير الدمع والبكاء كان يزرف دموع الفرح لأن حلم إنسان في الحياة قد تحقق بعونه وسلامة نيته وحبه الخير للآخرين وهو ولا يذكر لك اسم من ساعدهم حتى لا يكون قد أمتن على الآخرين ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)
*ذكر لنا أنه عندما كان يهم بالخروج من الإذاعة في إحدى المرات، وهو المدير، أوقفه شاب خريج جامعي وقال له أريد أن أعمل بالإذاعة فرد عليه تفضل وسهل له مهمة التدريب وتم تعيينه لاحقا بالإذاعة السودانية وقد صار نجما إذاعيا وتسنم زري المجد ، لم يفصح الفاضل عن اسم ذلك الشاب وعيناه تفيض بالدمع لأن إنسانا قد حقق حلمه وبلغ غايته بعون منه و الآن حاجة البروفسير لدعوات كل من أخذ بيده في العمل أو شجعه على مواصلة التعليم وعدم الاكتفاء بالشهادة الثانوية أو البكالوريوس ( ماسة ) ونسأل الله أن يجزيه خيرا على ما قدمه للناس من موقعه في الإدارة أو في كرسي الأستاذ الجامعي وغيره.
*أكثر الكوادر من حملة الماجستير والدكتوراه في دار الإذاعة الآن تحصلوا عليها بعون وتشجيع من الراحل المقيم صلاح الدين الفاضل.. كان مهتما بالتدريب العملي لطلاب البكالوريوس والماجستير وعندما تصل المجموعة إلى الإذاعة تجده أمامها وقد فتحت لها الأستوديوهات مع الاستعداد لخدمته وخدمة طلابه من جميع العاملين بالحوش كما يحلو لهم.
*تألم بروفيسور صلاح الفاضل عليه رحمة الله ألما شديدا لاحتلال مليشيا آل دقلو الإرهابية للإذاعة بأم درمان وذلك لمعرفته بالمكنونات والمعلومات التاريخية التي تحتوي عليها مكتبة الإذاعة التي تمثل ذاكرة الأمة السودانية بأسرها.. وكان فرح البروفسير صلاح بتحرير الإذاعة على يد القوات المسلحة وعودتها إلى حضن الوطن لا يدانيه فرح وكان يمني النفس بالعودة إليها وتفقدها بعد التخريب الذي أحدثه الجن جويد على مدى عامين من الزمان.
*من عبقريات الراحل صلاح الفاضل أنه استطاع تحويل تجاربه الإذاعية إلى دراسات علمية بل بالأحرى تلك التجارب والأفكار والرؤى كانت نتيجة أبحاث ثم صارت كتبا ومراجع ونظريات تدرس في الجامعات وقد خضعنا لها وكانت تتميز بالعمق والحيوية وشيء من الجفاف الذي يميز الأكاديميات بطبيعتها ولكنه كان ماهرا في الشرح والتفصيل ومعه شراح آخرون من أهل مهنة الإذاعة ودربتها.
*لقد فشلت الدولة والمجتمع في تكريم البروفسير صلاح الفاضل التكريم الذي يليق بمكانته العلمية والإبداعية والفنية ودوره في الحياة السودانية وتشكيله لوجدان الشعب من خلال العمل الدرامي والإذاعي .
*اللهم أرحم الأستاذ والصديق والأخ الكريم البروفسير صلاح الدين الفاضل وأجعله في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر والزم آله وذويه وطلابه وعارفي فضله الصبر والسلوان وحسن العزاء .
(إنا لله وإنا إليه راجعون).