آخر الأخبار

دفعة دبلوماسية جديدة للسودان

 

لمياء موسى

*في هذا المقال أتوقف عند الحراك الدبلوماسي الأخير المتصل بالنزاع السوداني، ذلك الحراك الذي يفتح نافذة أمل وسط عتمة الحرب. فقد وجّه ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، دعوةً رسمية إلى رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، لزيارة المملكة العربية السعودية وبحث تطورات الشأن الداخلي السوداني.

*وتأتي هذه الدعوة امتدادًا لدورٍ سعوديٍّ بارز لا يمكن إغفاله منذ اندلاع الحرب، إذ سعت المملكة، بكل ما تملك من ثقل سياسي ودبلوماسي، إلى وقف نزيف الدم السوداني، فاستضافت جولات متعددة من المباحثات عبر منبر جدة بين أطراف النزاع، وانخرطت بفاعلية ضمن الرباعية الدولية سعيًا لتقريب وجهات النظر وتهيئة مسار نحو السلام وقد بحث خلال اللقاء مستجدات الأحداث وتداعياتها الإنسانية والسياسية، والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار في السودان، إلى جانب مناقشة آفاق العلاقات الثنائية بين البلدين، والعمل على الارتقاء بها إلى مستوى شراكة استراتيجية مستدامة عبر مجلس التنسيق الاستراتيجي السعودي– السوداني.

*لكن مع التكرار المزمن لفشل المحاولات الرامية إلى وقف إطلاق النار ووضع حدٍّ للاقتتال في السودان منذ اندلاع الحرب، برز تحرك دبلوماسي لافت تمثّل في طلب ولي العهد السعودي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التدخل المباشر للمساهمة في حلّ الأزمة السودانية، وذلك خلال زيارته الرسمية إلى واشنطن. وعلى إثر هذا الطلب، أعلن الرئيس الأمريكي عزمه البدء بالعمل على إنهاء الحرب في السودان

إنها خطوة دبلوماسية جديدة تحمل في طياتها رسالة أمل ورجاء أن الأبواب لم تُغلق بعد أمام حل سياسي يضع حدًا للحرب ويعيد للسودانيين حقهم في السلام والحياة.

*غير أن هذا التصريح لم يمرّ دون جدل، إذ استُقبل بتباينٍ واضح في مواقف وآراء المحللين السياسيين. فقد شكك بعضهم في جدية الطرح، معتبرين أن أي تحرك تقوده إدارة ترامب قد يقتصر على السعي لوقف إطلاق النار أو فرض هدنة مؤقتة، دون التعمق في معالجة الجذور السياسية والاجتماعية المعقدة للنزاع، وهي جذور تتطلب فهمًا عميقًا وجهدًا طويل النفس.

*في المقابل، رأى محللون آخرون أن انخراط واشنطن قد يكون مدفوعًا بحسابات المصالح الإقليمية وشبكة التحالفات الدولية، أكثر من كونه استجابة إنسانية صادقة لحجم المأساة التي يعيشها الشعب السوداني. بينما رحّب فريق ثالث بالإعلان، واعتبره خطوة إيجابية تعيد تسليط الضوء الدولي على واحدة من أخطر الأزمات المنسية في العالم اليوم، مؤكدين أن أي نجاح محتمل للتدخل الأمريكي يظل مرهونًا بتنسيق حقيقي للجهود السياسية والتفاوضية مع الأطراف السودانية والقوى الإقليمية الفاعلة، لا بالاكتفاء بممارسة الضغط لوقف القتال فحسب.

*تمكنت المبادرة السعودية من تحقيق تقدم ملموس بعد انخراط الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قُدِّمت إلى قائد الجيش السوداني خطة من ثلاث محاور رئيسية، مع التزام المملكة بدعم الجهود الإنسانية والسياسية المصاحبة: وقف مؤقت لإطلاق النار-تسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة- انتقال سياسي شامل وإنهاء الصراع.

*لكن لم يُصدر عن هذا الاتفاق أي سلام فوري أو وقف مباشر لإطلاق النار بعد، إذ إن المبادرة لا تزال قيد الدراسة والمراجعة من قبل البرهان.

*ورغم الجهود المشكورة والمبذولة التي تُحمد عليها، تظل نتائج هذه المبادرة على الأرض غير حاسمة حتى الآن؛ فالحرب مستمرة، وأوطارها تتسع يومًا بعد يوم، فيما تتفاقم مأساة المدنيين ويزداد الخراب عمقًا وشمولًا في البلاد.

*لكن يظل هذا اللقاء التاريخي محاولة جادة من دولة عربية وإسلامية ترى جارتها في محنة فتمد لها يد العون، ساعيةً نحو وقف نزيف الدم وتحقيق الاستقرار.

*يا أبناء السودان، مهما تعددت الحراكات الدبلوماسية، وتزاحمت التدخلات الإقليمية والدولية،

ومهما انبرت أقلام المحللين السياسيين لشرح المشهد الداخلي والخارجي على الأرض،ومهما تعالت الأصوات على المنابر تملي ما يجب فعله وما لا يجب فعله.. أحب أن أقول لكم: رغم حسن النوايا لدى كل من يسعى إلى إطفاء شرارة الحرب في السودان.

*ورغم صدق المساعي التي تُبذل هنا وهناك، إلا أن الحقيقة الأعمق تظل ثابتة لا تتغير..أنتم من سيكتب الفصل الأخير أنتم أصحاب الأرض والجرح والذاكرة، وأنتم القادرون على تحويل الألم إلى وعي، والخراب إلى بداية جديدة، والحرب إلى درسٍ لا يُعاد.

*قد تُمهّد الدبلوماسية الطريق، وقد تُخفف المبادرات وطأة النار، لكن السلام الحقيقي لا يُستورد، ولا يُفرض من الخارج، بل يُولد من الداخل من إرادة شعب قرر أن يحمي وطنه، وأن يختار الحياة على حساب البندقية، والوحدة على حساب الانقسام، والغد على حساب رماد الأمس.

*كاتبة مصرية مقيمة في لندن