
كما فعل تشرتشل في لندن (البرهان في الخرطوم)… القيادة كمعركة بقاء للدولة السودانية
كيف صمدت القيادة العسكرية في لحظة التفكيك الأولى
عبدالناصر سلم
*منذ فجر 15 أبريل 2023 لم تبدأ حرب في السودان، بل بدأ اختبار وجودي لبقاء الدولة ذاتها. ففي الساعات الأولى من ذلك اليوم اندلع القتال المنظّم والمتزامن في العاصمة الخرطوم، وتمركزت الاشتباكات والانتشارات حول محيط القيادة العامة للقوات المسلحة، والقصر الجمهوري، ومطار الخرطوم الدولي، والجسور الرئيسة التي تربط الخرطوم بأم درمان والخرطوم بحري. لم يكن الهدف حسمًا جغرافيًا سريعًا، بل تعطيل مركز القرار منذ اللحظة الأولى، ومنع الدولة من تنظيم ردّها في زمن الصدمة.
*في اليوم ذاته امتدّ الاستهداف إلى منزل القائد العام.. لم يكن ذلك تفصيلًا أمنيًا معزولًا، بل رسالة مزدوجة: تهديد المجال الشخصي للقيادة بالتزامن مع استهداف مفاصل الدولة. هكذا كُتب افتتاح المواجهة بوصفها حربًا على القرار بقدر ما هي صراع على المواقع؛ صدمة نفسية وسياسية متزامنة مع الصدمة الميدانية، هدفها دفع القيادة إلى الخروج من المركز أو إدارة المعركة من بعيد.
*وبرز في هذا السياق الدور المحوري لعبد الفتاح البرهان بوصفه رأس الهرم العسكري–السيادي، لا باعتباره شخصًا، بل باعتباره حلقة الوصل التي تمنح المؤسسة العسكرية صفتها كجيش دولة.. الحساب الذي حكم الاستهداف المبكر قام على فرضية أن تحييد القائد العام- بالقتل أو الإخراج القسري أو نقل مركز القيادة – سيُطلق تفاعلات تفكيك متسلسلة: ارتباك القيادة الوسطى، تضارب الأوامر، تحوّل القادة الميدانيين إلى مراكز قرار مستقلة تحت ضغط الوقائع، وفتح مسارات تفاوض جزئي مع وحدات معزولة. بهذا المعنى كان الاستهداف محاولة لإسقاط الدولة من رأسها لا لإلحاق هزيمة ميدانية تقليدية.
*بين 15 و18 أبريل 2023 اتخذ القتال طابعًا حضريًا كثيفًا دون سيطرة محكمة على المفاصل السيادية. في هذه الأيام الحاسمة اتُّخذ القرار الأكثر حساسية: البقاء في مركز القيادة وعدم نقلها خارج العاصمة.. ففي الحروب التي تستهدف العواصم، يصبح بقاء القيادة داخلها شرطًا لبقاء الدولة نفسها؛ إذ لا تُعرَّف الدولة الحديثة بالسيطرة الجغرافية وحدها، بل باستمرارية القرار المركزي. لذلك يُقرأ خروج القيادة- حتى بدافع الحماية- بوصفه إشارة انهيار نفسي وسياسي.. البقاء حوّل الصدمة الأولى إلى صدمة محدودة الأثر، وحافظ على اتصال القيادة بالوحدات، ومنع انتقال الارتباك إلى داخل المؤسسة العسكرية، بوصفه إجراءً أمنيًا لحماية وحدة القرار قبل أي اعتبار آخر.
*تماسك القيادة داخل العاصمة رغم الحصار أفشل الخطوة الأولى من خطوات تفكيك الدولة. فالحصار—بصورته المتغيّرة وغير المحكمة—راهن على كسر حلقة القرار لا على إسقاط مواقع بعينها. استمرار القيادة في العمل من داخل الخرطوم أبقى سلسلة الأوامر موحّدة، وأغلق الباب أمام أخطر السيناريوهات: تعدد مراكز القرار، وانزلاق الوحدات إلى مبادرات منفصلة تحت ضغط الواقع.
*عمليًا، ظلّ القتال يسير بسلسلة أوامر واضحة ومنضبطة صادرة من مركز واحد. ولم تكن أهمية سلاح الإشارة تقنية فحسب، بل سيادية؛ لأنه شكّل الضامن الأخير لوحدة القرار والاتصال. كما لم يكن دور سلاح المهندسين لوجستيًا فقط، بل عامل بقاء مؤسسي مكّن القيادة من العمل تحت شروط حصار حضري طويل عبر التحصين، والإدامة، وتأمين الحركة. وإلى جانب ذلك، أسهم ثبات قيادة وادي سيدنا في توزيع الجهد ومنع عزل القيادة داخل العاصمة، وكسر عمليًا فرضية شلّ المركز.
*وخلال أواخر أبريل وطوال مايو 2023 توسّع القتال داخل الأحياء في صورة انتشار واسع وغير مستقر. يمنح هذا الانتشار حضورًا بصريًا قويًا، لكنه هشّ إن لم يستند إلى إدارة مستقرة وخطوط إمداد آمنة. لذلك جرى تجنّب الاقتحامات الواسعة داخل المناطق المكتظة، لا بوصفه تراجعًا، بل قراءة واعية لكلفة حرب المدن من حيث الخسائر البشرية، والضغط الإنساني، وتآكل شرعية الدولة. الهدف كان منع تثبيت السيطرة وتحويل الوجود المؤقت إلى سلطة دائمة؛ لأن السيطرة العابرة تزول، بينما السلطة المستقرة تتجذر وتكلف كثيرًا لإزالتها.
*اعتبارًا من يونيو 2023 أخذ الضغط على محيط القيادة العامة طابعًا متدرّجًا؛ اشتباكات مباشرة وتطويق جزئي متغيّر الشدة دون حصار محكم منذ البداية.. وبين يوليو وأكتوبر 2023 دخل القتال طور الضغط الممتد، حيث لا يكون الهدف اقتحام موقع بعينه، بل إطالة زمن الضغط انتظارًا لانهيار تنظيمي أو نفسي. كثير من الجيوش لا تُهزم بالنيران، بل بفقدان الإيقاع والشعور بأن القيادة غابت.. وجود القائد داخل نطاق القيادة العامة خلال هذه المرحلة حافظ على الإحساس بأن القرار يصدر من الداخل وأن المؤسسة لم تُترك لمصيرها؛ فوظيفة القيادة هنا لم تكن الهجوم، بل منع الأخطاء القاتلة التي تُسقط المؤسسات من داخلها.
*وخلال النصف الثاني من عام 2023، وبعد تعثّر رهان شلّ القيادة عبر التطويق، انتقل الصراع إلى مستوى أخطر تمثّل في محاولة قتل القائد. لم تكن محاولة معزولة، بل أداة تعويض عن فشل استراتيجي سابق: إذا تعذّر كسر القيادة بالضغط، فاستهداف الرأس يصبح محاولة لإحداث فراغ قيادي لا يمكن تعويضه آنيًا في حرب حضرية مفتوحة. غير أن فشل الاستهداف- بدءًا من يوم 15 أبريل ثم لاحقًا- أحبط لحظة الانهيار القصوى، وحافظ على استمرارية القرار، ومنع تحوّل الخوف إلى أوامر وتقديرات متسرّعة. وردّ المؤسسة ظلّ منضبطًا، مع إبقاء المعركة في إطارها الأوسع بوصفها صراعًا على بقاء الدولة ووحدة قرارها لا مواجهة شخصية.
*وتستند المقارنة بين البرهان وونستون تشرتشل إلى طبيعة لحظة القيادة لا إلى اختلاف السياق التاريخي. فكلاهما واجه تهديدًا وجوديًا استهدف الدولة من مركزها لا من أطرافها، وكلاهما اتخذ قرار البقاء حين كان الخروج أسهل.. في الحالتين كانت الأولوية منع تفكك القيادة قبل البحث عن النصر، وإدارة زمن الحرب بوصفه أداة مقاومة؛ حيث يصبح الرمز- وجود القائد تحت النار- جزءًا من إدارة الصراع لا دعاية له.
*وفي نهاية 2023 وبدايات 2024 أُدير الصراع بمرونة أوضح: إعادة ترتيب الانتشار، فتح مجالات ضغط خارج قلب العاصمة، وتأمين مسارات إمداد أساسية حيثما أمكن. وجاء خروج البرهان من القيادة العامة بعد أشهر من القتال بوصفه إعادة تموضع مدروسة بعد إنجاز المهمة الأخطر: منع شلل القيادة وتفكك القرار.. لم يكن الخروج استجابة ضغط آنيًا، بل انتقالًا محسوبًا في مرحلة تلت تجاوز أخطر لحظات الانهيار المحتمل، حيث لم تعد القيادة رهينة الجغرافيا، واستعاد القرار مجاله الوطني الأوسع.
*الخلاصة أن ما جرى بين 15 أبريل 2023 وبدايات 2024 لم يكن سباق سيطرة على مواقع، بل معركة على زمن القرار.. الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بما كُسب ميدانيًا، بل بما مُنِع وقوعه: لم تتفكك القيادة، ولم ينقسم الجيش إلى مراكز متناحرة، ولم تفقد الدولة رأسها في أخطر لحظة.. منع شلل القرار كان الانتصار السياسي الأول في حرب طويلة لم تُحسم بعد.