جماليات العتاب والوصال في الشعر الوجداني
دراسة مقارنة نقدية في قصيدة (أحضنني بعتاب الدلّ) للشاعر الصادق عبد المولى
بقلم الأكاديمية الدكتورة منى السناري
أولًا: المقدّمة
يشكّل الشعر الوجداني أحد أهمّ مسارات التعبير عن الذات الإنسانية، بما يحمله من توتّرٍ بين العاطفة والفكر، وبين الحضور والغياب، وبين الضعف الإنساني والقوة الشعورية التي تدفع الكلمة إلى أفق الكشف والتجلي.
في هذا السياق يجيء نص الشاعر الصادق عبدالمولى الموسوم بـ (أحضنني بعتاب الدلّ) ليقدّم نموذجًا مدهشًا في التعبير عن ثنائية العتاب والوصال، تلك الثنائية التي طالما شكّلت محورًا عميقًا في الشعر العربي منذ العذريين حتى رموز الغزل الحديث.
ينتمي النص إلى الشعر الوجداني الحرّ، الذي لا يتقيّد بالوزن الخليلي بقدر ما يستند إلى الإيقاع الداخلي والتصوير الحسي، ويعبّر عن تجربة ذاتية متّقدة تستحضر فلسفة العاطفة في لحظات الانكسار والحنين.
وقد إعتمدت هذه الدراسة المنهج النقدي المقارن لتحليل النص من الداخل، ومقارنته بتجارب شعراء العتاب الوجداني في الشعر العربي الحديث، مثل نزار قباني وإبراهيم ناجي، لتبيان خصوصية الرؤية الشعرية عند الشاعر الصادق عبدالمولى، وما تميّزت به من صدق وجداني وعمق روحي.
ثانيًا: نصّ الدراسة:
أحضنني بعتاب الدلِّ
أحضنني بعتاب الدلِّ
إن حسي والعتاب في عدوي
وعاتبني إن كنت المُلام
وطوقنيّ بفضل العاطفة
وحنو الأقوى
وبلطف يحوي اللطف اللطيف
وسماحة روح من يهوى
شغفي إليك متيمٌ ببعضك
وفؤادي ينبض بك ولك
إن حسي والعتاب في عدوي
ولهفة شوقي تجأر بالشكوى
عبّئ كأس الغفران تجمّلًا
وأرشفني إن شئت
من حباب الهوى
إن في لسعة كأسك دواء
وفيض فرايحي النشوى
فِأتني بالتمر وأقصي النوى
إني بحنانك المسيم مستذري
وعلى نار هجرك لا أقوى
يا حدب طوقني بحدبك
إن قلبي سجح
لا يحتمل الشكوى
ينقصم إذا ما غاس عتابك
ويعاز بعينيّ ويتقرب زلفى
فيترقرق الدمع
منسجمًا على كفك
وكفي على النكف
لا تقوى
ثالثًا: الإطار النظري
1- العتاب كظاهرة وجدانية
العتاب في الشعر العربي ليس خصومة، بل لغةٌ عاطفية بين القرب والبعد، بين الرغبة في الصفح والخوف من الفقد.
ففي الموروث العربي القديم نقرأ عند جميل بثينة أو قيس ليلى عتابًا يفيض بالدمع لا باللوم.
وفي الشعر الحديث تحوّل العتاب إلى رمزٍ للوصال كما عند نزار قباني في قوله:
عاتبيني فإن العتاب حياة، إنّ في العتب لذّة الأحباب
2- الشعر الوجداني الحديث
الشعر الوجداني الحديث يميل إلى التركيز على الذات، ويُعنى بالعاطفة أكثر من الحدث، ويتوسّل لغة شفّافة تفيض بالرمز.
وهذا ما نراه في شعر إبراهيم ناجي في قصيدته العودة حين يقول:
يا فتاتي وهل يعود المُحبّ – بعد ما ذاب قلبه والتوى؟
وهي نبرة قريبة من النغمة العاطفية التي يتبناها الشاعر عبدالمولى في نصّه هذا.
رابعًا: التحليل البنيوي للنص:
أ. البناء اللغوي
لغة النص تقوم على الإيحاء والتكرار والتركيب الموسيقي.
فالتكرار في قوله:
إن حسي والعتاب في عدوي
يمنح النص بعدًا تأكيديًا وإيقاعًا داخليًا متواترًا، فيما يعكس التناص الصوتي بين (اللطف) و(اللطيف) نغمة دلالية تعكس الإنسجام النفسي بين المتكلمين.
فاللغة هنا ليست وصفية، بل إنفعالية وجدانية، تنقل التوتر الداخلي للحبيب العاتب.
كما يُلاحظ حضور ضمائر المخاطب بكثافة (أحضنني – عاتبني – أرشفني – فأتني)، لتخلق حوارًا شعريًا متصاعدًا بين الأنا والآخر.
ب. البناء الإيقاعي
النص يعتمد على إيقاع حرّ مرن يخرج من صرامة الوزن إلى موسيقى المعنى.
يتولّد الإيقاع من الأفعال الإنشائية المتتابعة، ومن تكرار المقاطع الصوتية الناعمة (اللام والياء والألف)، مما يشيع نغمة عتاب رقيقة.
وهذا الأسلوب قريب من إيقاع نزار قباني في قصيدته (قالت لي السمراء)، حيث الإيقاع نابع من الرقة الصوتية أكثر من الوزن الخليلي.
ج. البناء الفني
ينتقل النص من النداء إلى العتاب ثم إلى الرجاء والصفح في حركة دائرية، تشبه رحلة العاشق بين البعد والعودة.
تبدأ القصيدة بالطلب (أحضنني بعتاب الدل) وتنتهي بالدمع واللين (وكفي على النكف لا تقوى).
وهذا البناء يعكس تطوّر الحالة الوجدانية من التوتر إلى الهدوء، ومن القسوة إلى الصفح.
خامسًا: التحليل الدلالي والرمزي:
أ. الدلالات النفسية
النص يصوّر حالة الضعف الإنساني في الحبّ، حيث يستجدي العاشق دفء العتاب كوسيلة للمصالحة.
العتاب هنا هو تعبير عن الحاجة إلى الحب لا عن رفضه.
الشاعر يواجه الحبيب من موقع الضعف الجميل، فيقول:
وعلى نار هجرك لا أقوى
وهي صيغة إستسلام عاطفي تماثل صورة ناجي في الأطلال:
يا فؤادي لا تسل أين الهوى؟
ب. الرموز والصور الشعرية:
الكأس:
رمز الغفران والإتحاد الروحي، وامتدادٌ لصورة الشراب العذري عند المتصوفة.
النار:
رمز الفراق والإحتراق الوجداني.
الدمع والكف:
رمزا الإنكسار والمغفرة
الطوق:
رمز الحماية والإحتواء العاطفي.
هذه الرموز تتشابك لتصنع شبكة دلالية تؤسس لعلاقة روحية بين الحبيبين، تتجاوز المادي إلى التجريد العاطفي.
ج. ثنائية العتاب والوصال:
تُعدّ هذه الثنائية محور النص، حيث يتحول العتاب من وظيفةٍ تأديبية إلى وسيلة تواصل وجداني.
يقول عبدالمولى:
أحضنني بعتاب الدلّ،
بينما يقول نزار قباني:
عاتبيني فإن العتاب انتماء
الفرق أن عبدالمولى لا يجعل العتاب شرطًا للحبّ، بل شكلًا من الدلال والوصال، بينما عند نزار العتاب إثبات للوجود العاطفي.
هنا تتجلى خصوصية الرؤية عند شاعرنا في جعل العتاب ذاته فعلَ محبةٍ، لا ردّة فعلٍ على الجفاء.
سادسًا: المقارنة النقدية:
في مقارنة سريعة مع نزار قباني وإبراهيم ناجي، نلحظ الآتي:
العنصر الصادق عبدالمولى نزار قباني إبراهيم ناجي
طبيعة العتاب
وجداني صوفي – روحي غزلي حسّي – مباشر عاطفي رومانسي – حالم
الصورة الشعرية رمزية دقيقة حسية جريئة وجدانية شفافة
اللغة شفافة موحية أنثوية تصويرية موسيقية حزينة
البنية الإيقاعية حرّة داخلية متدفقة خطابية موزونة لحنية
من هنا يتضح أن تجربة عبدالمولى تؤسس لنمط ثالث بين نزار وناجي، نمط يجمع رهافة اللغة الرمزية بصدق الوجدان الإنساني، ويعيد تعريف العتاب باعتباره فنّ البقاء في المحبة.
سابعًا: الرؤية الجمالية والفلسفية:
ينطوي النص على رؤية فلسفية خفية مفادها أن العاطفة الحقيقية لا تُنقض بالعتاب، بل تتقوّى به، وأن الضعف في الحب ليس نقصًا، بل تجلٍّ للإنسانية.
فالشاعر يرى في المحبوب مركز القوة، لكنه لا يتنازل عن كرامة الشعور؛ إذ يقول:
يا حدب طوقني بحدبك
فيجمع بين الرجاء والعزة، بين الانحناء الإنساني والسمو العاطفي.
هذه الرؤية تضع النص في منطقةٍ وسطى بين التصوف العاطفي والرومانسية الحديثة، حيث يتحول الحبّ إلى تجربة تطهيرية تعيد توازن النفس.
ثامنًا: الخاتمة والنتائج:
من خلال هذه القراءة يتبيّن أن نص (أحضنني بعتاب الدلّ) يجسّد تجربة شعرية ناضجة تمتاز بـ:
1- صدق التجربة وعمق العاطفة.
2- توازن بين الرقة اللغوية والعمق الرمزي.
3- بناء شعري يعتمد على الإيقاع الداخلي لا الوزن الخليلي.
4- لغة حوارية تُقيم جسورًا بين المتكلمين في فضاء وجداني ناعم.
5- وعي شعري يجعل العتاب وسيلة بقاء لا وسيلة فراق.
وبالمقارنة مع رموز الشعر العربي الحديث، يبرُز الصادق عبدالمولى كصوتٍ وجدانيٍّ جديد يعيد للشعر العاطفي هيبته وصدقه الإنساني.
تاسعًا: نبذة عن الشاعر الصادق عبدالمولى:
شاعر وكاتب سوداني، يتنوّع إنتاجه بين القصيدة العمودية والنص المنثور والنص التأملي.
يميل في شعره إلى التعبير عن القضايا الإنسانية والوجدانية بلغةٍ رصينةٍ صافية.
من أبرز أعماله:
(صمت السلطان): قصيدة على البحر الكامل تعبّر عن مأساة الفاشر وصمت العالم.
النقطة الفارغة في العالم: نصّ فكري تأملي يرصد ضياع الضمير الإنساني في عالم الزيف.
وتتجلّى في أعماله سمات أسلوبية واضحة، منها: الصدق الشعوري، والعمق التأملي، والموسيقى الهادئة، والرمز الصوفي الإنساني.
:عاشرًا: المراجع والإشارات النقدية
1- نزار قباني، الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة، بيروت.
2- إبراهيم ناجي، قصائد مختارة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.
3- عبد القادر القط، الاتجاه الوجداني في الشعر العربي الحديث.
4- صلاح فضل، منهج الواقعية في النقد الأدبي.
5- محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، دار النهضة العربية.
: الخلاصة الجمالية
في «أحضنني بعتاب الدلّ»، يتحوّل العتاب من لغةٍ للخصام إلى لغةٍ للوصال،
ويتحوّل الحنين من ضعفٍ إلى طاقة حبٍّ مطهّرة،
فيغدو النص صلاةَ عاشقٍ على مذبح الحنان الإنساني.