آخر الأخبار

دفاع مصر عن السودان حقٌ وواجب

 

د. عبدالعظيم عوض

*لا أدري لمَ هذه الضجة المثارة حول مشاركة مصرية عسكرية في ردع العدوان الغاشم الحالي على السودان، والتي زادت حدتها على أثر التحقيق المنسوب لمحرر نيويورك تايمز ديلان والش والذي تحدث فيه عن دعم مصري للجيش السوداني عبر الطائرات المسيّرة.

*من الطبيعي أن تسمح العلاقات الخاصة التي تربط السودان بمصر بمثل هذا التعاون في المجال العسكري والأمني، في ظل عدوان همجي مدعوم اقليميا ودوليا يستهدف السودان ظاهريا، لكنه على المدى الجيوسياسي يستهدف الدولة المصرية وكل وادي النيل والدول المشاطئة للبحر الأحمر.

*من هنا فإن ما صرحت به مصر أكثر من مرة من أن أمنها القومي يبدأ جنوبا من السودان لم يكن حديثا للاستهلاك السياسي، بل هو واقع تؤكد عليه المعطيات الجغرافية والتاريخية والجيوبلوتيكية، فالسودان هو العمق الاستراتيجي للأمن المصري وكذا مصر بالنسبة للدولة السودانية، وهذا ما دعا مصر للدعوة جهارا بضرورة تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع السودان والتي تم التوقيع عليها بين البلدين في العام ١٩٧٦ وجرى تفعيلها والتأكيد عليها قبل خمس سنوات من الآن في العام ٢٠٢١م

*تلك هي الحقيقة التي لا جدال حولها باعتبارها حقٌا مشروعا للبلدين تكفله القوانين والمواثيق والاعراف الدولية، لذلك فإن التطرق لهذه المسألة باعتبارها من الأسرار التي برزت للوجود بفعل تسريبات صحفية هنا وهناك هو محض هراء.

*والحقيقة إن التعاون بين دولتي وادي النيل مصر والسودان لم يكن وليد الاتفاقية المشار إليها وإن كانت تلك الخطوة قد قننت التعاون وجعلته أمرا واقعا مسنودا بإرادة البلدين والشعبين من خلال مجلسيها التشريعيين في الخرطوم والقاهرة وبشهادة المنظمات الدولية والاقليمية المعنية بقضايا الأمن والسلم  في الإقليم والعالم.

*وبنظرة متأملة في التاريخ القريب نجد أن كبار القادة العسكريين السودانيين قد تخرجوا من الكلية العسكرية المصرية على سبيل المثال اللواء توفيق ابوكدوك القائد العسكري المعروف والفريق محمد عثمان هاشم رئيس أركان الجيش السوداني الأسبق وغيرهما من القادة العسكريين، ونشير في هذا الصدد إلى أن دفعة كاملة من الضباط السودانيين عُرفت باسم دفعة ال٤٠٠ قد تخرج كل ضباطها من الكلية الحربية المصرية في العام ١٩٧٠ وكان من بينهم الفريق عوض ابن عوف وزير الدفاع السابق وغيره من كبار العسكريين السودانيين .. بل وحتى الكلية الحربية المصرية كانت قد انتقلت إلى السودان عقب حرب ٦٧ واقامت معسكراتها في منطقة جبل أولياء .. وإبان حرب أكتوبر كان مطار وادي سيدنا الحربي نقطة انطلاق سلاح الجو المصري بقيادة اللواء طيار محمد حسني مبارك.

*ويذكر السودانيون الموقف المصري من العدوان الليبي على السودان فيما عرف بغزوة المرتزقة في يوليو عام ١٩٧٦، ان المشير عبدالحليم ابوغزالة وزير الدفاع المصري كان في الخرطوم على رأس وفد عسكري عال في مساء ذات يوم الغزو .. أما مشاركات القوات المسلحة السودانية في الدفاع عن مصر جنبا إلى جنب مع جيشها الجسور فهي من ثوابت علاقات البلدين الشقيقين بالاضافة إلى الدورات التدريبية المشتركة وكانت آخرها في قاعدة مروي الجوية قبل الحرب بأيام قليلة  واعتبرتها المليشيا تدخلا  مصريا في السودان.

*كل هذه الشواهد وغيرها تحكي عن البعد الأمني واهميته في توطيد العلاقات الثنائية بين السودان ومصر، وتؤكد انه ليس وليد اليوم  ولا هو مرتبط باتفاقية ٧٦ وإن عززته ونظمته بتقنين لايزال نافذا.

*ولابد من تذكير الذين علت اصواتهم احتجاجا على ما وصفوه بتدخل مصري في الشأن السوداني  أن مصر تتعامل مع جيش الدولة السودانية لا مع مليشيا وهو جيش تجاوز عمره المائة عام وقد فرض الفراغ الدستوري الأخير أن يكون هو الممسك بزمام السلطة في الظرف الانتقالي الحالي وفاءً لمقتضيات القانون والدستور .. لا تتعامل مصر  مع مليشيا كما فعلت وتفعل إمارة أبوظبي مع مليشيا الدعم السريع في عدوانها على السودان وشعبه . *وقصدتُ  في هذا الصدد أن اشير في متن هذا المقال إلى بعض شذرات من  تاريخ  التعاون العسكري والأمني بين الخرطوم والقاهرة وهو كما أوضحنا هو تعاون راسخ وقوي بدأ من قبل أن تكون في خارطة العالم دولة اسمها الإمارات العربية المتحدة.