
في ذكرى رحيل نجمين
بُعْدٌ .. و .. مسافة
مصطفى أبو العزائم
*بالأمس مرّت ذكرى وفاة نجم السودان وفريق المريخ الكبير الكابتن سامي عزالدين حسن عبدالرحمن ، الذكرى الحادية والعشرون، وكانت آخر مرة ألتقيه فيها قبيل وفاته بفترة قصيرة، هنا في مدينة القاهرة، التي كنت قد جئتها في رحلة عمل بينما كان هو في رحلة رياضية، وأذكر أن اللقاء كان في شارع طلعت حرب في وسط القاهرة، إلتقينا وكان اللقاء حاراً، إذ تربط بيننا علاقة الدم والعصب معاً، ويجمع بيننا جدنا حسن عبدالرحمن، وقد كان نبأ وفاته بعد فترة قصيرة صدمة ليس لنا في محيط الأهل فقط بل لكل أهل السودان.
*وبعد أيام قليلة جداً تمر الذكرى الثالثة عشر لوفاة فناننا الكبير محمد وردي، الذي توفي في التاسع عشر من فبراير عام 2012 م، ولوردي تاريخ ناصع في الفن والسياسة، وهو صاحب مشروع فني إجتهد كثيراً من أجل تحقيقه، وسبق لي أن جلست إليه كثيراً ، وحاورته حول نظام الفريق إبراهيم عبود ـ رحمه الله ـ الذي تنازل عن السلطة في الخامس عشر من نوفمبر عام 1964م ، عقب حل المجلس العسكري الأعلى ونجاح ثورة 21 أكتوبر الشعبية في ذات العام، وكان الفريق عبود قد أختير رأساً للدولة في أقصر فترة إنتقالية لشغل هذا المنصب ، وفق دستور 1956م ، لكن رئاسته لم تستمر بعد الثورة إلا لساعات محدودة، وخرج رحمة الله عليه وأصحابه الكرام، مثلما دخلوا إلى مؤسسات السلطة نظيفي اليد، لم يتهمهم أحد بفساد مالي ، بل كانوا نموذجاً للأصالة والنزاهة والشرف.
*ما يؤخذ على نظام (العساكر) ـ هكذا كان يسمى ـ الممتد من 17 نوفمبر 1958م حتى أواخر أكتوبر عام 1964م، هو ضعف الرؤية السياسية، إذ لم يكن للفريق إبراهيم عبود، وأعضاء المجلس العسكري الأعلى، أيدولوجية سياسية تحدد رؤية النظام ومساره، كما لم تكن له حاضنة سياسية معروفة، وكان عبود ورفاقه ضباطاً مهنيين محترفين لا علاقة لهم بالسياسة، لذلك أصبحوا ألعوبة في أيدي السياسيين بالداخل ، عندما تم إقناعهم بالإستيلاء على السلطة بناءً على اتفاق مع رئيس الحكومة آنذاك الأميرالاي عبدالله بك خليل، وهذه هي أكثر الروايات رواجاً، إذ لم تجد من يكذبها أو ينفيها ، لكن في تقديري وتقدير الكثيرين من المهتمين بالتاريخ السياسي لبلادنا، أرى أن إتفاقية بناء وتشييد السد العالي مع الحكومة المصرية آنذاك كانت هي القشة التي قصمت ظهر النظام في الخرطوم.
*عندما تسلم العسكر السلطة ، تغنى الراحل الكبير الأستاذ محمد وردي بـ في 17 هب الشعب طرد جلادو وعندما أطيح بالإنقلابيين غنى محمد وردي أصبح الصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باق وتغنى بـ (أشهدوا شهداء كرري) وتغنى غيره بأغنيات عرفناها في قاموسنا الفني بـ(الأكتوبريات) ومنها نشيد الملحمة التي كتب كلماتها الشاعر الكبير الراحل الأستاذ هاشم صديق، وتغنى بها الفنان الكبير محمد الأمين، وكتب وقتها شاعرنا الراحل الكاتب والأديب والسفير عبدالمجيد حاج الأمين قصيدة (هبت الخرطوم في جنح الدجى) التي سرعان ما تلقفها الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي وتغنى بها.
*يتراجع كثير من الفنانين عما تغنوا به لنظام ما، وكذلك المواطنون، والفنان عادة ما يعبّر عن عموم الناس، لكن هذا الأمر كان يقلق الراحل الكبير محمد وردي كثيراً، بل يضايقه لأن البعض إعتاد على مهاجمته دائماً بأنه يتغنى للأنظمة الديكتاتورية ؛ فغير الغناء لعبود، تغنى للرئيس الراحل نميري ـ رحمه الله ـ من كلمات شاعر الشعب الراحل المقيم الأستاذ محجوب شريف ، وتغنى للنظام كله ، بدءاً من (يا فارسنا وحارسنا) مروراً بـ (أنت يا مايو الخلاص) إنتهاء بـ (رفاق الشهداء)، ثم إنقلب عليه لاحقاً بـ (بلا وانجلى) وغيرها مما عدّه بعض النقاد من أشعار التوبة السياسية.
*كل ذلك الأمر يقلق الأستاذ وردي ويضايقه ، وأذكر أن الإذاعية المتميزة الأستاذة شادية عطا المنان ، سبق لها أن أجرت لقاءً مطولاً ومشتركاً بيني وبين الفنان الراحل المقيم ، داخل منزله في الخرطوم ، كان اسمه (النيل والقمر) تستضيف فيه شخصيتين تمثل إحداهما بالنيل والثانية بالقمر، ويدور حوار طويل حول قضايا عامة وجريئة ، وقد تم بث ذلك البرنامج من خلال ست حلقات في الإذاعة الرياضية.
*طرحت الأستاذة شادية ذات السؤال المقلق والمزعج على الفنان الكبير، فتغيّرت ملامح وجهه، وتجمعت ملامح الغضب وطغت على محياه، وأراد أن يرد .. هنا تدخلت وطلبت أن أرد إنابة عنه، ولم أعطه فرصة تفجير ذلك الإنفعال، وقلت لمقدمة البرنامج إن الفنان الكبير ـ وردي أو غيره ـ ينفعل مثل المواطن العادي بـ (الشعارات) التي يطرحها (النظام الجديد) فيؤيده بشدّة ، مؤملاً في أن يتحقق ما ظل يحلم به طوال حياته ، لكن مع الأيام يكتشف أن كل الذي طرحه النظام لم يكن إلا مجرد شعارات للإستهلاك لا للتنفيذ ، فيتوقف عن تأييده للنظام ، وينقلب عليه في أول فرصة ، فالفنان لا يخون مبادئه بل الأنظمة هي التي تتمرد على شعاراتها وتخونها.
*هنا تنفس الفنان الكبير محمد وردي ـ رحمه الله ـ الصعداء وأصبحت تلك إجابته دائماً على كل من يطرح عليه ذلك السؤال السخيف رحم الله الجميع وغفر لهم وأسكنهم فسيح جناته.