آخر الأخبار

دبلوماسية الفعل لا الخطاب .. مصر ودعم استقرار إفريقيا وإدارة الأزمة السودانية

 

عمرو خان

*في لحظة أفريقية بالغة التعقيد، حيث تتقاطع أزمات الأمن والتنمية والحوكمة، تبدو السياسة الخارجية المصرية – وتحديدًا داخل الاتحاد الأفريقي والتجمعات الإقليمية – نموذجًا لما يمكن تسميته (دبلوماسية الفعل)لا الاكتفاء بالبيانات أو المواقف الرمزية.. فالحضور المصري المتنامي داخل المنظومة الأفريقية خلال عام 2025 لم يكن مجرد تحرك بروتوكولي، بل جاء ترجمة مباشرة لتوجيهات سياسية عليا ترى في أفريقيا عمقًا استراتيجيًا لا يمكن فصله عن الأمن القومي المصري.

*هذا التوجه انعكس بوضوح في مساهمة الدبلوماسية المصرية في دعم السلم والاستقرار، خاصة في مناطق النزاعات الممتدة مثل القرن الأفريقي. إتمام مذكرة التفاهم الخاصة بالمشاركة المصرية في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال (AUSSOM)

، إلى جانب حشد تمويل قُدِّر بنحو 20 مليون دولار لصالح البعثة، يؤكد أن القاهرة تتحرك بمنطق الشريك الذي يتحمل تكلفة الاستقرار، لا المراقب من بعيد.. فالصومال، بما يمثله من اختبار حقيقي لقدرة الاتحاد الأفريقي على إدارة الأزمات، كان ولا يزال ساحة حاضرة في الحسابات المصرية، إدراكًا لتأثير أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي على الملاحة الدولية ومصالح مصر الحيوية.

*على المستوى المؤسسي، عززت مصر حضورها داخل منظومة العمل الأفريقي متعدد الأطراف، بتعيين السفير محمد إدريس مندوبًا دائمًا للبعثة المراقبة للاتحاد الأفريقي لدى الأمم المتحدة. هذا التعيين لا يمكن قراءته بمعزل عن تصاعد الثقة الأفريقية والدولية في قدرة الدبلوماسية المصرية على الربط بين المسارين: الأفريقي والأممي، خاصة في ملفات السلم والأمن، وإعادة الإعمار بعد النزاعات.

*عام 2025 شهد كذلك نشاطًا مكثفًا لمصر في استضافة وتنظيم ورئاسة فعاليات أفريقية ودولية محورية، من بينها رئاسة اجتماع (النيباد)، واستضافة المؤتمر الوزاري الروسي-الأفريقي، ومتابعة خطوات إنشاء صندوق التنمية التابع لوكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية.. هذه التحركات تعكس إدراكًا مصريًا بأن معركة أفريقيا الحقيقية ليست أمنية فقط، بل تنموية بالأساس، وأن سد فجوات التمويل والبنية التحتية هو خط الدفاع الأول ضد عودة النزاعات.

*وفي هذا السياق، تأتي المشاركة المصرية الفاعلة في قمم الاتحاد الأفريقي، والقمة الأفريقية الأوروبية، وقمة لواندا لتمويل البنية التحتية، وقمم الكوميسا، ومنتديات التعاون جنوب-جنوب، كجزء من رؤية تسعى لربط الأمن بالتنمية، والتكامل الاقتصادي بالاستقرار السياسي.. فمصر تدفع باتجاه تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية، ومشروعات الربط القاري، ليس فقط كفرص اقتصادية، بل كآليات لتقليل هشاشة الدول الخارجة من الصراع.

*غير أن الاختبار الأبرز للدور المصري في أفريقيا يتجلى بوضوح في التعامل مع الأزمة السودانية. فمنذ اندلاع الصراع، تبنت القاهرة مقاربة واقعية تقوم على ثلاث ركائز: الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها، منع تدويل الأزمة بشكل يضر بالحل الأفريقي، والتخفيف من الأعباء الإنسانية على الشعب السوداني.. هذا التوجه تُرجم عمليًا عبر استضافة ملايين السودانيين وتقديم تسهيلات إنسانية وخدمية، إلى جانب الانخراط النشط في مسارات إقليمية وأفريقية، سواء داخل الاتحاد الأفريقي أو عبر دول الجوار، بهدف دفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية شاملة.

*الدور المصري في الملف السوداني لا ينفصل عن تحركاتها داخل مجلس السلم والأمن الأفريقي، ولا عن التنسيق مع الشركاء الإقليميين، لتجنب سيناريوهات الانقسام أو التفكك. فالقاهرة تدرك أن استقرار السودان ليس مسألة تضامن سياسي فقط، بل عنصر أساسي في استقرار وادي النيل والقرن الأفريقي، وأن أي فراغ أمني هناك ستكون كلفته الإقليمية باهظة.

*وفي موازاة ذلك، نجحت الجهود المصرية في تثبيت دعم أفريقي واسع لترشيح الدكتور خالد العناني لمنصب مدير عام اليونسكو، في دلالة واضحة على تنامي الثقل المصري داخل القارة، وقدرته على بناء توافقات حول مرشحين ومبادرات مشتركة. كما حصلت مصر على مناصب مؤثرة داخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي، وتم انتداب خبراء ودبلوماسيين مصريين لمواقع قيادية، بما يعزز الحضور المصري طويل المدى داخل هياكل صنع القرار الأفريقي.

*ختامًا، يمكن القول إن الحصيلة الراهنة للدور المصري في أفريقيا، وخصوصًا في سياق الأزمات المعقدة مثل السودان، تعكس انتقال السياسة الخارجية من مرحلة إدارة النفوذ إلى مرحلة صناعة الاستقرار. إنها مقاربة تراهن على العمل المؤسسي، والدبلوماسية متعددة المسارات، والربط الذكي بين الأمن والتنمية، في قارة لا تزال تبحث عن معادلة توازن جديدة. وفي هذا البحث الأفريقي المضني عن الاستقرار، تبدو مصر لاعبًا يعرف جيدًا أن الغياب مكلف… لكن الحضور الفاعل، وإن كان شاقًا، هو الطريق الوحيد نحو قارة أكثر تكاملًا وازدهارًا.

*كاتب صحفي مصري