آخر الأخبار

فنجان قهوة باردة

 

قصة قصيرة حمد إبراهيم – جيبوتي:

كان الصباحُ ساكنًا كأن الأرض قد آثرت الصمتَ على ضجيج العالم. جلس ربيع إلى نافذته، والفجر يتسلّل كطيفٍ من حنينٍ قديم. بين يديه فنجان قهوةٍ باردة، تسرّب إليه من مرارة الأيام ما لم يذقه من البنّ قط.

طال نظره إلى الأفق، وقال كمن يخاطب ظله:

كم مرّةٍ يا ربيع قُتلتَ بيد من كنتَ تظنّهم حياة؟ كم مرةٍ فتحتَ صدرك للريح، فدخلتْ بخناجرها لا بأنفاسها؟

ثم تنفّس تنهيدةً كأنها آخر ما تبقّى من روحه، واسترسل في مناجاةٍ عتيقة:

لقد خذلتني الأيام كما يخذل البحرُ زورقَه الصغير في منتصف التيار، فلا شاطئ يعود إليه، ولا أفق ينجو نحوه.

كانت الذاكرة تمطر في رأسه وجوهًا وأسماءً ووعودًا تتساقط كما تتساقط أوراق الخريف من شجرةٍ هرمت على الصبر.

تذكّر كيف أعطى قلبه للناس، وترك لنفسه الفتات. كيف أودع ابتسامته في صناديق الغير، حتى إذا احتاجها، وجدها مكسورةً في وجوههم.

وفي لحظةٍ من السكون الذي يلي الانكسار، سمع صوت نفسه، لا من فمه، بل من عمقٍ لم يعرفه من قبل:

> «أتراكَ ظننتَ يا ربيع أن الكرامة تُشترى بالعطاء؟ أم حسبتَ أن الوفاء يُورث كاسمٍ من آباءٍ صالحين؟ لقد خُذلت لأنك صدقت، وتألمت لأنك أحببت. فانهض، فإن الذين مرّوا على جرحك، إنما مرّوا ليعلّموك كيف تضمّدُه وحدك.

رفع ربيع رأسه، وقد تغيّر صوته بين الشكّ والإدراك، وقال:

أحقًا كانت الدنيا تعلّمني وأنا أظنّها تعاقبني؟ أكانت الجراح دروسي، لا عقوباتي؟

ثم ابتسم ابتسامةً غريبة؛ فيها دمعةُ ماضٍ ووميضُ بعثٍ جديد.

قال يخاطب فنجانه الذي خلا إلا من أثرٍ أسود:

يا فنجاني، كم احتويتَ من حزني، حتى امتلأتُ أنا بالحكمة. كنتَ مرآتي في الصبر، وكل رشفةٍ منك كانت درسًا في البقاء.

مدّ يده إلى النافذة، فإذا بالفجر قد اكتمل نوره. في تلك اللحظة، أحسّ أنه وُلِدَ من رماده، وأن ما كسره بالأمس صار جسرًا يعبر عليه اليوم بثبات.

نهض، جمع أوراقه، وكتب على هامشها:

تعلمتُ أن الحياة لا تردّ الودّ، لكنها تُكافئ الصادق بصفاء قلبه. وأن الخذلان، مهما اشتدّ، لا يميتُ الروح بل يطهّرها

ثم أتمّ عبارته الأخيرة

لقد امتلأ فنجاني… وما عاد فيَّ متّسعٌ للحزن

وأغلق دفتره، كمن طوى فصلاً من دهرٍ مضى، وبدأ فجرًا يليق بمن غُسلت روحه بالوجع حتى أشرقت.