
أين هم وسط هذا الدخان ؟
بعد .. و .. مسافة
مصطفى أبو العزائم
*سألني صديق ممن قويت علاقتي بهم في القاهرة في الفترة التي تلت إندلاع هذه الحرب اللعينة، وكنا في مقهى سوداني بمدينة فيصل بمحافظة الجيزة، ونلتقي هناك بين حين وآخر، سألني هذا الصديق عن بعض الشخصيات العامة واين هم الآن وسط دخان هذه الحرب وركامها، فكنت أجيب بما أعرف، ثم سألني عن شخصية عامة تمثل رمزاً من رموز العمل النقابي لم أتواصل معه منذ سنوات، وهو يعني الأخ عباس الخضر الحسين رئيس نقابة عمال السكة الحديد الأسبق، فقلت له أنني فقدت التواصل والإتصال معه منذ سنوات، وربما كان آخر لقاء لي معه قبل الحرب بفترة طويلة داخل مباني المجلس القومي للصحافة والمطبوعات أواخر العشرية الثانية من هذا القرن.
*عدت بذاكرتي لعشرات السنين في بدايات عملي الصحفي، وتحديداً في عامي المهني الثاني، عندما تم تكليفي بقسم الأخبار في صحيفة (الأيام) الغراء عام 1981م، بتغطية دائرة النقل والمواصلات، ومن بينها بلا شك سكك حديد السودان، وكان وزير النقل والمواصلات آنذاك اللواء مصطفى عثمان حسن (مصطفى جيش) – رحمه الله – جاء من بعده اللواء خالد حسن عباس – رحمه الله – بينما كان يتولى أمر إدارة الإعلام والعلاقات العامة أستاذنا الراحل الشاعر الكبير كمال بشير، وكان هناك صداع دائم في الرأس الحكومي الكبير، اسمه النقابة العامة لعمال السكة الحديد التي ترأسها شاب في الثلاثين من عمره ، جريء لا يتورع في منازلة النظام ، ولا يخشى تهديده، اسمه عباس الخضر، وقد عرفته منذ ذلك الوقت، وعشت معه تفاصيل كثيرة حول النقابة الأقوى تأثيراً في تاريخ العمل السياسي والنقابي في البلاد، والتي كان إسمها الرسمي هو (النقابة العامة لعمال السكة الحديد والنقل النهري والمركبات)، قبل فصل النقل النهري عن السكة الحديد.
*مدير عام السكة الحديد آنذاك كان المهندس صالح الطيب رحمه الله – وكان مهنياً مخلصاً عفيفاً شفيفاً بشهادة كل الذين عرفوه وعملوا وتعاملوا معه ، وقد سعى لتطوير هذا المرفق الحيوي المهم، ودعا لأول مؤتمر تداولي لتطوير السكة الحديد بداية الثمانينيات تلك، وظل على الدوام يعترف بدور عمال السكة الحديد ونقابتهم في تطويرها.
*في تلك السنوات المحتشدة تعرفت برئيس نقابة السكة الحديد عباس الخضر الحسين وحاورته ونشرت آراءه المخالفة للرأي الرسمي، حيث شهد العام 1981م ، إضطرابات مشهورة في السكة الحديد، وتم القبض على رئيس النقابة الشاب – وقتها –عباس الخضر بل وصدر الحكم بإعدامه بعد قيادته لإضراب السكة الحديد في ذلك العام بعد سلسلة من الإعتقالات، بل سبق أن تم حظره (فئوياً) و(سياسياً) بقرار جمهوري صدر بإسم الرئيس جعفر محمد نميري – رحمه الله – لتتم ملاحقته ويقدم للقضاء العسكري الذي حكم عليه بالإعدام.
*(لعبة السياسة) إقتضت أن تتم مراجعة الحكم بالإعدام، بل إقتضت أيضاً أن يرتفع صوت النقابي الشاب الثائر داخل قبة البرلمان (مجلس الشعب الرابع) مصعداً من قواعد العمال.
*إنتبه عباس الخضر الحسين إلى أهمية التعليم والترقي في مراحله بعد حفظ القرآن بخلوة الشيخ الفكي العوض بعطبرة، ودراسته للفقه والسيرة على عدد من المشايخ والأئمة بعطبرة والخرطوم، إذ إلتحق بمعهد تأهيل الأئمة والدعاة بالخرطوم (الجامع الكبير)، ثم إلتحق بمعهد تأهيل الأئمة في الأزهر الشريف بالشقيقة مصر، ثم إلتحق بمعهد الدراسات الإسلامية بأم درمان، وحصل على دبلوم الدراسات الإسلامية وحصل على بكالوريوس العلوم الإدارية من جامعة القرآن الكريم في العام 1998م ، ثم ماجستير العلوم الإدارية من جامعة أم درمان الإسلامية عام 2005م ، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة الإدارة العامة من جامعة الزعيم الأزهري عام 2016م ، وهو شيخ تجاوز الخامسة والستين.
*كان الدكتور عباس الخضر ينشط في مجالات الدعوة، إلى جانب نشاطه السياسي والإعلامي الواسع ، وكان من الكُتاب المشاركين في صحيفة (المجهر السياسي)، التي أسسها وقادها الأخ والصديق العزيز الأستاذ الهندي عزالدين، وهو يعتز بذلك، وكان قد أصدر كتابه الموسوم ب(قصص نقابي) في تلك الفترة، متضمناً بعض تلك المقالات، إضافة لتوثيقه لفترة من أخصب فترات العمل النقابي، إبتعد فيها عن هوى النفس، وأنصف خصومه السياسيين، بل أشاد بمواقفهم وفي مقدمتهم الرئيس جعفر محمد نميري– رحمه الله – وغيره من قيادات العهد المايوي.
*وكما ذكرت آنفاً وعلى غير موعد إلتقيت بالشيخ الجليل الوقور الدكتورعباس الخضر الحسين داخل المجلس القومي للصحافة والمطبوعات – تقريباً منتصف العام 2017 م – فقال لي إنه يبحث عني ليهديني كتابه الجيد (قصص نقابي) وهو يعلم شغفي وولعي بالتاريخ والتوثيق والمعلومات ، وكتب لي إهداء يشبهه تماماً من حيث اللغة والأدب والمفردة.. وأخذت منذ لحظة تسلمي النسخة الخاصة بي ، في تقليب صفحات هذا (التاريخ) الذي ضمته دفتا كتاب الشيخ الدكتور عباس الخضر وسعدت بثلاث مقدمات للكتاب ، الأولى بقلم البروفيسور إبراهيم أحمد غندور وزير الخارجية، ورئيس إتحاد نقابات عمال السودان الأسبق ، والثانية بقلم الأستاذ يوسف علي عبد الكريم رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال السودان في تلك الفترة ، والثالثة بقلم الدكتور محمد أحمد محمد فقيري نائب مدير عام السكة الحديد الأسبق ، وأستاذ السلوك التنظيمي بالجامعات السودانية.
*ضحك الشيخ الدكتور عباس الخضر ومن كان معنا ، داخل مكتب الأستاذ قرشي الأرباب بمجلس الصحافة والمطبوعات، ومن بينهم زميلنا الصحفي المعروف الأستاذ أحمد مدثرعندما قلت للشيخ عباس الخضر إنني سأكتب مقدمة (متأخرة) لكتابه هذا ليتها تفي بما يموج به الخاطر وتمور به النفس.
*ومنذ ذلك الوقت لم نلتق ، ولم يتم تواصل بيننا ، وجاءت الحرب لتزيد الشقة بين الجميع.