آخر الأخبار

قراءة في كتاب (السودان أزمة دارفور..الجذور والوقائع والحلول)

  • الدكتور عثمان كبر كتب الكتاب بعقل مفتوح ولكن بأكثر من صفة
  • الكتاب أفصح عن الكثير من المسكوتات ومنها استقالة الكاتب من منصبه كوال لشمال دارفور
  • الكتاب هل يمكن قراءته بأنه رد بعد 25سنة أو أكثر على (وثيقة الكتاب الأسود ..اختلال موازين السلطة والثروة)؟

قراءة – دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
(1)
نسبة لظرف طارئ لم اتمكن من حضور تدشين كتاب (السودان أزمة دارفور الجذور الوقائع والحلول)الذي اصدره الدكتور عثمان محمد يوسف كبر نائب رئيس الجمهورية السابق ووالي ولاية شمال دارفور الأسبق ورئيس المجلس التشريعي لولاية شمال دارفور الأسبق والذي صدرت طبعته الأولى مطلع هذا العام2026م في عدد 299صفحة عن المؤسسة العربية المتحدة للنشر والتوزيع بجمهورية مصر العربية حيث تم تدشينه بمقر
منظمة (مبادرة اسناد السودانيين المتأثرين بالحرب) بمقرها بمدينة نصر بالعاصمة المصرية (القاهرة)… ولكن من خلال قراءتي المتأنية للكتاب في تقديري أن الكتاب يمثل إضافة نوعية للكتب والدراسات التي تناولت أزمة دارفور حيث أنه سبر غور الأزمة بكل أبعادها ولكن الأهم من ذلك أن كاتب الكتاب كان ولم يزل من الفاعلين الأساسيين في السياسة السودانية بكل تفاصيلها وتشعباتها المختلفة والمستمرة .. فالدكتور عثمان كبر قد كتب هذا الكتاب كما ذكر في مقدمة الكتاب بأكثر من صفة حيث قال في مقدمته ( خاصة بالإضافة إلى تجاربي ومعايشتي المباشرة والمعاصرة لتطورات الأحداث والوقائع لهذه الأزمة خلال أربعين سنة من الزمان امتدت من بداية الثمانينات وحتى تاريخ كتابة هذا الكتاب وكنت أعيش الأحداث فيها من مقاعد وزوايا مختلفة حيث كانت البداية من زواية ومقعد المواطن العادي في الأعمال الحرة والموظف والمسئول العام في الخدمة المدنية والإدارة التنفيذية في مختلف ربوع دارفور ثم من موقع القيادي السياسي والتشريعي والتنفيذي في مراكز ودوائر صناعة واتخاذ القرار في ولاية شمال دارفور خاصة واقليم دارفورعامة ومن على هذه الخلفية ولد هذا الكتاب الذي اتعشم ان يشكل اضافة ايجابية مفيدة للمكتبة السودانية وللقارئ أو الباحث أو الدارس السوداني).
(2)
كتب الدكتور سعد البزاز وهو اعلامي عراقي كتابا في بدايات عقد التسعينات من القرن الماضي كتابا اسماه (حرب تلد حرب اخرى.. التاريخ السري لحرب الخليج ) ﻻ أدري لماذا تذكرت عنوان وفحوى ذلك الكتاب حين اطلعت منذ الوهلة الاولى على كتاب (السودان أزمة دارفور الجذور والوقائع والحلول) لكن من الواضح ان كل حرب من حروب الدنيا تتولد منها حرب أو حروب اخرى أو كل حرب تستكمل بها حرب اخرى.. فالحرب العالمية الأولى 1914م- 1918م تبعتها الحرب العالمية الثانية1938م-1945م ..ووصف حرب تلد حرب اخرى دلالة على النزاعات المستمرة حيث يؤدي انتهاء أي مواجهة عسكرية غالبا إلى اندلاع اخرى وهذا بالضبط ما عناه في تقديري الدكتور عثمان محمد يوسف كبر من كتابه فذكر كلمة (الوقائع) في العنوان فيها اشارات إلى تعدد النزاعات وتكرار الأزمات ولو كانت أزمة واحدة لاكتفي بذكر تفاصيل الواقعة الواحدة.
(3)
كل الذين كتبوا عن أزمة دارفور بشكلها الذي ظهر في العام 2003م والتي حدث فيها تطور من أزمات بين أصحاب المهن التقليدية ذات الصلة بسبل كسب العيش (الزراعة والرعي) إلى حركات احتجاج سياسي مسلح موجه ضد الدولة تعرضوا إلى تاريخ وجغرافيا دارفور وذلك لأن الاسباب الجذرية لأي أزمة ترتبط ارتباطا وثيقا ببعض العوامل المتعلقة بالزمان (الماضي)وهو التاريخ والمتعلقة بالمكان وهو الجغرافيا وغني عن القول أن مادة الجغرافيا السياسية خاصة عند الدارسين والباحثين في قضايا الحروب والنزاعات ودراسات السلام لها ارتباط وثيق بالجغرافيا الطبيعية (الموقع والبئية والمناخ).
فالعلاقة بين الجغرافية الطبيعية والجغرافيا السياسية هي علاقة تأثير وتأثر تبادلي حيث تشكل المقومات الطبيعية اﻻرضية التي تبني عليها السياسات وتؤثر في قرارات الدول وتحركات الاستراتيجية الجغرافيا الطبيعية والتي توفر المعطيات المكانية لذلك كان اعتماد الدكتور عثمان كبر على مراجع ومصادر أساسية ومهمة تناولت الجوانب التاريخية والجغرافية لأزمة دارفورلأنها تمكن من سبرغور الأزمة بأبعادها تلك مثل ابن عمر التونسي في كتابه (تشحيذ الأذهان في تاريخ العرب والسودان) والدكتور موسى المبارك الحسن (تاريخ دارفور السياسي)وجوتساف ناختيفال (الصحراء والسودان) والدكتور يوسف تكنة (دارفور صراع السلطة والموارد) ونعوم شيقر (تاريخ وجغرافيا السودان) ودكتور ايدام عبدالرحمن (تاريخ دار فور).
(4)
قبل عدة سنوات أصدرت سلسلة عالم المعرفة الكويتية كتابا في غاية الأهمية تحت عنوان (انتقام الجغرافيا ما الذي تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضد المصير) للكاتب روبرت د كابلاند والذي ترجمه المترجم ايهاب عبدالرحيم علي والموضوع المحوري للكتاب يدور عن ماهية العلاقة بين الجغرافيا والعلاقات الدولية حيث اشار بوضوح إلى أن الجغرافيا تمثل ستارا خلفيا لتاريخ البشرية نفسه واستدرك بالقول إن موقع أي دولة ما على الخريطة هو أول ما يحددها بصورة أكثر من الفلسفة الحاكمة لها ومن الواضح من خلال تحليل مضمون الدكتور عثمان كبر يبدو أن مفهوم انتقام الجغرافيا من خلال تمردها في دارفور على السلطة القائمة الحاكمة قد استند على الصراع بين المركز والهامش وبصورة أدق على ما ورد في وثيقة( الكتاب الأسود اختلال موازين السلطة والثروة في السودان ) وهي الفرضية التي بنت عليها الحركت المسلحة في دارفور خاصة حركة العدل والمساواة احتجاجها المسلح على الدولة حيث اصبح ما شهدته دار فور من تداعيات ادت إلى انتقام جغرافيتها على كل السودان بافتراء عدم عدالة اقتسام السلطة.. ومن هنا يثور التساؤل المهم (هل عانى أهل دارفور من ضعف المشاركة في الحكومات المركزية )؟ ولا أظن التساؤل يحتاج لكثير عناء للاجابة عليه .. ولعل أهم آفاق الحل في هذا الجزئية قد أوردها الدكتور كبر وكأنه أراد الرد على ماجاء في وثيقة الكتاب الأسود بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما على صدورها حيث قال في النقطة بالرقم (9)من آفاق ورؤى الحل لأزمة دارفور (رفض مبدأ استخدام السلاح والعنف وسيلة لنيل الحقوق لاسدال الستار تماما على أكثر مشكلات السودان تعقيدا وهي أن انتقام الجغرافيا أصبح مدخلا لممارسة الابتزاز الرخيص لحاملي السلاح حتى شاع عند عامة الناس أن أقصر طريق للوصول للسلطة هو (حمل كلاش لأنه يقلل النقاش).
(5)


ومن أخطرالموضوعات التي تناولها الكتاب وهي واحدة من اعقد افرازات أزمة دارفور هي قضية (سوق المواسير) والتي ألمح بصورة غير مباشرة الدكتور عثمان كبر إلى أنها صورة من صور تأثيرات أزمة دارفور والتي تولدت من خلالها أزمات آخريات من بينها الأزمة الاقتصادية التي افرزت ما عرف ب(سوق المواسير) والذي بدأ كمتجر صغير ثم توسعت انشطته بصورة جعلت جهاز المخابرات العامة عن طريق وحدات الأمن الاقتصادي يتشكك في طبيعة هذه الانشطة التي يقوم بها السوق بل وقد اعتبرتها الأجهزة المختصة داخل الجهاز بأنها من قبيل أعمال العنف التي نتجت عن انتقام الجغرافيا إذ أن الآثار لم تقتصر على ما حدث من تداعيات القتل والسحل والاغتصاب والابادة الجماعية والتهجير القسري للسكان المحليين بل انتجت أزمة انتقام الجغرافيا في دارفور لكثير من التداعيات ذات الابعاد الاقتصادية وقد مثلت قضية سوق المواسير والذي اتخذه تجار الحروب والنزاعات معبرا للاستثمار الحرام حيث تزايدت ما تعرف ب(تجارة الكسر) والتي راجت في السودان كواحدة من أبرز اختلالات الاقتصاد السوداني حيث كان (سوق المواسير) مدخلا للثراء الحرام حيث تكشف للأجهزة المختصة أن هناك تزايدا ملحوظا في مجال معارض بيع السيارات وهذا التزايد لا يتناسب مع الحاجة الفعلية للسيارات في المدينة وكذلك الأمر لمكاتب بيع العقارات والاثاثات والحلي الذهبية وقد اصبحت لهذا السوق افرعا في عدد من المدن السودانية والتي تعمل تحت غطاء شركة ابوقحطان وشركة قوز ابوعجينة للحلول المتكاملة ولتغطية انشطة ثراءها الحرام من عمليات( الكسر) قام القائمون على سوق المواسير بتقديم أموال ومعينات خيرية للأفراد والمؤسسات.
(6)
بدأ واضحا أن مسألة أكثر من صفة التي كتب بها الدكتور كتابه قد جعلته يكتب الكتاب بعقل مفتوح لاسيما والكثير من المعلومات التي حواها الكتاب هي في الأصل معلومات قد جاءته من مظانها ومصادرها الأصلية وبحكم مسئوليته وقتها مما أضفى عليها الصدقية والمصداقية وزادت من أهمية الكتاب المهم أصلا والذي ما يميزه إنه تحدث عن مسكوتات كثيرة من بينها (جبل عامر) والذي خصص له الكاتب حيزا في الكتاب أسماه (حرب جبل عامر) بالاضافة إلى الكثير من المسكوتات التي لايسع المجال إلى حصرها.. عموما الكتاب جدير بالقراءة لأن فيه إضاءات كثيرة حول أزمة دارفور التي تولدت منها الكثير من الأزمات والتي من بينها الأزمة الماثلة وهي حرب 15 أبريل 2023م والتي ابتدرتها قوات الدعم السريع المتمردة والتي مثل تأسيسها وتشكيلها وتقنينها وتمكينها أعقد معضلة واجهت ليس دارفور فحسب وإنما السودان والذي يخوض الآن حربا وجودية ومصيرية نهايتها بأي كيفية ستشكل واقعا جديدا في الجغرافيا الموصوفة (جمهورية السودان).. ومن أهم ما جاء في الكتاب أن الدكتور عثمان محمد يوسف كبر قد افصح وحسب علمي الأسباب التي دفعته لتقديم استقالته لرئيس الجمهورية وقتها المشير عمر حسن أحمد البشير والتي فصل فيها أسبابها ومبرراتها والتي لم تجد من الرئيس القبول.