
عيد الحب و صدام الحضارات
بعد .. و .. مسافة
مصطفى ابوالعزائم
*لا زلنا نكابد ونعاني من خطاب الكراهية، والذي تنامى وتمدد بعد حرب الخامس عشر من أبريل 2023 م، التي أشعلها التمرد اللعين، والبعض يزعم ويدعي أن السبب في تلك الحرب هو إختلاف الثقافات، وكان العالم بالأمس يحتفل بعيد الحب، وهو نفسه يعتبره بعض المنظرين والمفكرين نتيجة لما يسمى ب(صدام الحضارات)، وقد ظهر هذا المصطلح في العام 1993م، عندما نشر (صمويل فيلبس هنتنجتون)، وهو أحد أشهر المنظرين لفترة الحرب الباردة ، في مجلة (شؤون خارجية) الأمريكية الأكثر شهرة (Foreign Affairs)، دراسة حملت ذلك الإسم، خلص فيها إلى أن الصراع في العالم سينتقل من الصراع التقليدي حول الموارد والأفكار إلى مرحلة أعلى وهي صراع الحضارات.
*الآن نرى أن عيد الحب، أو (الفالنتين داي) أصبح جزءاً من هذا الصراع، إذا ما أخذنا بنظرية السيد هنتنجتون، أو مفهومه الذي أخذ يتأكد لدى البعض يوماً بعد يوم.
*وسبق أن نشرنا قبل فترة طويلة تقريراً مفصلاً عن عيد الحب، كان قد أعده الدكتور محجوب برير محمد نور، ربط ما بين ذلك الإحتفال والإصلاح الديني المسيحي، مستنداً على قراءة إستعادية لتاريخ الزواج في ظل الإمبراطورية الرومانية ، حيث كان عامة الناس يتزاوجون كيفما شاءوا، عدا العسكريين من الضباط والجنود في الجيش الإمبراطوري، إذ أصدر الإمبراطور كلوديوس الثاني قراراً يحظر الزواج على العسكريين، لأن ذلك من وجهة نظره يقيّد حرية حركتهم وتحركهم مع الجيش من مكان إلى آخر، ويربطهم بعلاقات أسرية تهدد بالتأثير السلبي على أرواحهم المعنوية، وتقتل فيهم روح المخاطرة والإستماتة في القتال، إلى أن ظهر أحد القساوة، وهو الأب فالنتين لمواجهة ذلك الوضع الشاذ فقام بإبرام عقود زواج سرية لثلاثمائة من الجنود على فتيات من القسطنطينية، في الرابع عشر من فبراير عام 269م، لتثمر تلك الزيجات بنين وبنات خلال عشرة أشهر فقط .. فإنتشر الخبر وذاع وعم القرى والحضر، إلى أن بلغ الإمبراطور، الذي أمر بإعدام القس فالنتين في ذات التاريخ من العام التالي أي الرابع عشر من فبراير 270م.
*في مجتمعاتنا المسلمة، نسبة لسقوط الحواجز بين الشعوب، أصبح البعض يحتفل بعيد الحب، ويدعو الآخرين للاحتفال به، وقد أثار ذلك حفيظة عدد من رجال الدين، وبعض المصلحين والدعاة فطالبوا بوقف هذه البدعة، إذ أن كل بدعة ضلالة وكل ضلالة تقود إلى النار، ولم تكن بلادنا إستثناءً، إذ طالب إتحاد قوى المسلمين – قبل سنوات – السلطات بمنع الإحتفالات بعيد الحب، متهمين من يحتفلون به إنما يدعون إلى الفجور والفسق والانحلال الخلقي.
*نعود إلى ما بدأنا به، وهو الربط ما بين عيد الحب وصدام الحضارات، وعلينا أن نقر بتأثر مجتمعاتنا بثقافات الدول الغربية الأقوى تأثيراً على العالم الآن، من خلال الإقتصاد والقوى الناعمة من فنون وسينما وإعلام ، ومن خلال القوة المادية المدمرة ، لأنه في إعتقادنا الشخصي أن من يختبئ خلف الجبل هروباً من المتغيرات، فإنه إنما يشيخ ولا يستطيع أن يوقف كر الأيام ولا مر الليالي .. الدنيا تتحرك وتتغير وهو ثابت في مكانه.
*الذين ينادون بتدخل الدول لمنع هذه الهجمات (القيمية) والثقافية، إنما ينفخون في (قربة مقدودة)، فالعالم الآن يتقارب، ولا يستطيع فرد أو دولة ما أن يعيش بمعزل عما يدور حوله، ومع تقارب دول العالم وشعوبه تتراوح أدوار الدولة، فقد اختلطت المفاهيم التقليدية، مثل حدود السيادة ، والمواطنة، والنفوذ القومى، وما فوقه وما دونه، بحيث أن الجدل البحثي لم يعد قاصراً على حدود سيادة الدولة الآن بل بات يشمل وجود هذه السيادة من عدمه ، في ظل الإختراقات الحادثة الآن في عالمنا، كما يقول الدكتور جمال السويدي في بحثه القيم (آفاق العصر الأمريكي – السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد).
*نحن باختصار شديد، نعيش الآن أخطر مرحلة من مراحل صدام الحضارات، مرحلة التبعية الثقافية، أو مقاومتها، نحن نعيش مرحلة التحول من النظام الدولي القديم إلى نظام عالمي جديد تتداخل فيه المصالح الوطنية مع المصالح الدولية ، وتتم من خلاله عولمة الإقتصاد والثقافة ، والإتصالات والإعلام والتعليم .. و.. القيم.
*الآن نرى أن عيد الحب، أو (الفالنتين داي) أصبح جزءاً من هذا الصراع، إذا ما أخذنا بنظرية السيد هنتنجتون، أو مفهومه الذي أخذ يتأكد لدى البعض يوماً بعد يوم.