آخر الأخبار

من  وحي التقرير الأممي..جرائم المليشيا في ميزان العدالة

أنس الطيب الجيلاني
صدر في الثالث عشر من فبراير الجاري 2026م، تقرير مفوضية حقوق الإنسان والذي  جاء في تسع وعشرين صفحة وعنوانه  ( كان يطلقون علينا النار كالحيوانات)
والعنوان مقتبس من إفادة إحدى الناجيات واللاتي تم الإستماع لشهادتهن، وركز التقرير الذي أعدته المفوضية السامية لحقوق الإنسان من واقع الزيارات الميدانية وإستجواب الشهود الذين بلغ عددهم (140) شاهدا من الضحايا و الناجين. وقد حمل التقرير معلومات صادمة وموثقة لجرائم مليشيا الدعم السريع، بلغ عدد القتلى في الفاشر وحدها كما يشير التقرير إلى ستة آلالاف قتيل، وملاحقة الفارين من جحيم الحصار حيث تمت ملاحقتهم في طريق الهروب وقتل حوالي ألف وستمائة مواطن أو يزيد.
*إستدعى التقرير في ثناياه الطبيعة المتكررة للجرائم الوحشية للمليشيات العربية هكذا أسماها التقرير
وتوثيقا لجرائمها في مدينتي الجنينة وأردمتا والجرائم المرتكبة في معسكر زمزم وتقديم بينات قانونية كافية لوقوع جرائم ترقى لمستوى الجرائم ضد الانسانية ، وقد أشار التقرير لحادثة داخلية الرشيد
والذي قامت فيه المليشيا متعمدة من تصفية عرقية لنحو خمسائة مواطن بتهمة التعاون مع القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة، غير أن التصفية كان دافعها عنصري وعرقي ضد مجتمع قبيلة الزغاوة.. كما لاحظ التقرير أن موجات العنف الجهوي مصممة بصورة متعمدة ضد مجتمعات الزغاوة وغيرها من المجتمعات غير العربية وإستخدام العنف الجنسي بأشكاله المختلفة كسلاح ضد المدنيين الأبرياء والعزل.
           (٢)
*يؤكد بيان المفوضية السامية لحقوق الإنسان إلى وجود أسباب جوهرية للإعتقاد بإرتكاب مليشيا قوات  الدعم السريع  طائفة واسعة من الجرائم المحرمة دولياً والتي تشمل جرائم القتل المتعمد، الإغتصاب والعنف الجنسي كسلاح في الحرب، التجويع المتعمد للسكان، جرائم التطهير العرقي الجماعي، الإعدامات خارج نطاق القانون، وإحتجاز الرهائن وتصفيتهم،و جرائم السرقة والنهب وإستهداف المواطنين بناء على الأصل العرقي واللون. وأشار التقرير إلى أن هذه الجرائم تعد جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان ويجب محاسبة مرتكبيها وقادة المليشيا وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب. ودعا التقرير المجتمع الدولي والدول ذات التأثير التحرك لمنع تكرار مثل هذه الأحداث في المستقبل ووضع معايير حقوق الإنسان في أية تسوية لحل النزاع.
         (٣)
*تصريحات المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك حمّلت مليشيا الدعم السريع والقبائل العربية التابعة لها مسئولية الهجوم على الفاشر، وأشار إلى أن  سياسة الإفلات المستمر من العقاب ستؤدي لتغذية دوامة العنف، ودعا إلى إجراء تحقيقات موثوقة ونزيهة لتحديد المسئولية الجنائية بما في ذلك مساءلة القادة الكبار للدعم السريع، كما أوضح فولكر تورك بأن زيارته الأخيرة للسودان وجلوسه والإستماع لشهادات الناجين كشفت له فظاعة الإنتهاكات الجسيمة التي إرتكبتها المليشيا وكان المفوض السامي قد علق في وقت سابق عن صدور تقرير المفوضية السامية بتاريخ 18 ديسمبر 2025م عن عمليات القتل الممنهج واسع النطاق وجرائم العنف الجنسي بمخيم زمزم في الفترة من 11الي  13 أبريل٢٠٢٥، وأشار فيها إلى ما أسماه  النمط الثابت من الإنتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والتجاوزات الفادحة للقانون الدولي لحقوق الإنسان
           (٤)
كما صدر الخميس ١٩ فبراير ٢٠٢٦ بجنيف تقرير البعثة المستقلة لتقصي الحقائق للسودان والموسوم( السودان سمات الابادة الجماعية في الفاشر) ، ويترأس هذه اللجنة التي أصدرت هذا التقرير الأممي محمد شاندي عثمان والتي تشكلت بموجب قرارات الدورة ٣٨ لمجلس حقوق الإنسان بتاريخ ١٤ نوفمبر٢٠٢٥، وسترفع اللجنة تقريرها للدورة الحادية والثمانين القادمة للجمعية العامة للأمم المتحدة،،وأهم ما خلصت له البعثة في تقريرها والذي استجوبت فيه ٣٢٠ من الضحايا والشهود الي أن نية الابادة الجماعية هي  الاستنتاج الوحيد الذي يمكن استخلاصه من الأعمال الممنهجة لقوات الدعم السريع  كما أثبتت البعثة الاممية إلى أن الأدلة تثبت ثلاثة أفعال على الاقل تشكل أبادة جماعية، وهي قتل الافراد من جماعة عرقية محمية، وإلحاق الاذى الجسدي والنفسي بهم وخلق ظروف معيشية متعمدة تهدف إلى إبادة جماعية كليا او جزئيا،وصرح رئيس فريق التحقيق شاندي للقول: يظهر نطاق وتنسيق العملية وتأييدها العلني من كبار قادة الدعم السريع ،وأن الجرائم المرتكبة في الفاشر وما حولها لم تكن تجاوزات عشوائية بل جزءا من عملية منظمة ومخطط لها وتحمل السمات المميزة للابادة الجماعية.. ولعل أهم المؤشرات والدلالات التي حواها التقرير في تقديري هو تسمية ما حدث في الفاشر بسمة الابادة الجماعية حيث أن النهج السابق للتقارير الاممية كانت أكثر تحفظا لاستعمال صفة الابادة الجماعية في تقاريرها المنشورة.
           (٥)
*إزاء هذه الأدلة الدامغة والموثقة من قبل المجتمع الدولي بمنظماته الحقوقية ولجانه الاممية ، إضافة للبيانات المتكررة لوزارة الخارجية والبعثات السودانية الدبلوماسية في الخارج والمؤتمرات الصحفية التي غطت أحداث الفاشر ،والتي ترقى لجريمة الإبادة الجماعية حسب التوصيف الدولي، إزاء كل هذا لابد من محاسبة قادة المليشيا وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب، وقد حان الأوان لتسميتها ووصمها بالمليشيا الأرهابية، فكيف يكون الإرهاب إذا لم تعد هذه الجرائم الماثلة على مرأى ومسمع العالم دليلا على وحشيتها، وكيف يكون الإرهاب إذا لم يعد القتل الجماعي والتطهير العرقي والإبادة الجماعية و الاغتصابات الجماعية التي حدثت في دارفور إرهاباً، بل إن ما وثقته الصحافة العالمية والتقارير الدولية يفوق بمراحل توحش جماعات داعش بل  لايقل عن المجازر الإنسانية التي حدثت في يوغسلافيا السابقة ورواندا.واحسب أنه تتوافر الآن للهيئات العدلية الدولية حيثيات قضائية كافية لملاحقة المليشيا وردت في ثنايا تقارير عدلية وحقوقية ففي الثالث من نوفمبر أعلن مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إتخاذ خطوات لجمع الأدلة عن جرائم مليشيا الدعم السريع في الفاشر بناء على جرائم القتل الجماعي والإغتصاب التي إرتكبتها المليشيا، كما أن هنالك لجنة تحقيق شكلت بواسطة إتحاد المحامين العرب، وتقرير مفوضية حقوق الإنسان الذي تمت الإشارة إليه، هذا إضافة للتقرير  الذي صدر اليوم من بعثة التحقيق الاممية هذا أضافة لما  وثقته الصحافة العالمية الإستقصائية كنيويورك تايمز الأمريكية والإندبندنت والديلي تلغراف البريطانية وصور الاقمار الصناعية التي جمعتها جامعة ييل الأمريكية والتي كشفت عن عمق المأساة الإنسانية وصور المقابر الجماعية في الفاشر.
*الحقيقة الماثلة للعيان أن المجتمع الدولي ومجلس الأمن بصفة خاصة ما زال يدير ظهره لمعاناة أهل السودان، ولم يتحرك بالشكل المناسب والمسئول في تصنيف المليشيا كجماعة إرهابية وتحاشي إتهام قائدها الأول كمجرم حرب، على المجتمع الدولي القيام بواجباته إذ أن التسامح مع هذه الجرائم من الجماعات الخارجة عن القانون سيضاعف من زيادة معدلات الهجرة غير القانونية، كما أن العالم والإقليم لن يكون بمنأى عن تداعياتها السالبة والتي تؤثر لا مشاحة على السلم والأمن الدوليين.