آخر الأخبار

قصة قصيرة ( الإرث) 

 

غفران سليمان كوسا – سوريا:

 

موجة   عارمة   من التصفيق  سبقت أحداث منتصف ذلك الليل الذي انتظرته بلهفة ،    تسلل الهدوء  والأغنيات الرومانسية  بين ضجيج الآلات الصاخبة،  لتبدأ مراسم تقليدية، ولأحبس  قلبها الذي قيد مشاعري بخاتم الزواج الذهبي، بعد أن انطلقت الزغاريد،وانفجرت عاصفة من التصفيق  في تلك اللحظات التي تملأ النفوس بهجة بفرح المناسبة، استعجلت طبيعتي الفوضى ليتبعها ظلمة رمادية في نفوس الحاضرين وموجات هائلة من السخط  لتسببي ببقع من الزيت والمشروب على فستان العروس، تبع ذلك فوضى عارمة،  فتوقفت موسيقا كانت تعزفها روحي وانهمرت أمطار العتب  سيولا

ما حدث تلك الليلة  في صالة الأفراح  المجاورة لبيتنا،  أصبح قصة متداولة بين أبناء البلدة كقصص العفاريت والجنيات. تذكر الجميع يوم مولدي وزغردت النسوة فرحا بميلادي

قبل ربع قرن من ذلك اليوم  شققت الأرض وانبثقت منها، ما إن انتصبت ساقي لتحملاني  حتى بدأت تحاك حولي الأقاويل، تعززها أمي بمزيد من خيالها لتزيد من تشجيعي سرا، و تبدي  شكوى أمام الناس وكأنها تعاني معي أكثر مما تعاني  نساء الجنود في ساحات القتال! وكلما كبرت أصبحت قصصي أكثر تداولا ، تلبسني طفل يعشق الضجيج ،يرقص على أصوات الفوضى،  يطربه صوت الرعد، والعواصف، حتى أنني عشقت البحر هائجا.

تحملني أمي على رأس اهتماماتها، لكنها لا تغفل عن مجاملة أخواتي بأنهن كالنسمات في البيت، تواسي إحدى  الجارات اللواتي لم ينجبن إلا البنات بقولها:

قبل أن أنجب وحيد كان البيت يعزف  سمفونية استقرار خالدة،  ولا يتحرك شيء من مكانه إلا للضرورة، وما إن تعلمّ وحيد المشي حتى ركّب جناح لكل شيء، و أصبح العثور على الفيل في بيتنا أمرا صعبا.

أطلقوا عليّ اسم وحيد ، على الرغم من وجود أخواتي الأربع، إلا أن أبي وأمي احتفيا بي ووزعا الحلوى وأوفيا النذور لميلاد الصبي الذي سيحمل اسم العائلة، أما أهل البلدة فقد كرهوا  الساعة التي تمنوا لأبي فيها إحياءَ الذكر فَقبُلتْ دعواتهُم ، لأنني لم أضيّع فرصة  لتعكير صفو حياتهم.

رائحة عطري القوية وصفيري  كانا يسبقانني  فيتعوّذ جار كبير من مروري بجانبه قبل انزياح الفجر  لأنني بكل تأكيد سأفسد عليه توحده مع خالقه.

لأصبح مشهورا كهداف عالمي  يتردد اسمي  في أحياء البلدة، وكلما حققت هدفا في مرمى المشاكل، صفق الناس أبوابهم في وجهي ، وعدمت  المقدرة على إيجاد الحلول فيما بعد  و لطالما تسلقت جدران الأحداث المثيرة، كما يتسلق الدهاء بعض العقول، لكنني لم  أسلم ، ففي مرات كثيرة فشلت الامساك جيدا بحبال السلامة، فسقطت سقوطا مؤلما عرّض حياتي كلها للخطر ، فبمجرد أن أغمض عيني تمتليء مخيلتي بأفكار خراب جديدة، مرات  كثيرة كسر خاطري تأنيب أبي، وعقابه لي، وفي مرة  سقطت  من أعلى شجرة سنديان فكًَسرَت يداي الاثنتان ، وعندما وصل الخبر إلى أمي أغمي عليها  ،فغضبت  أختي الكبرى  وكعادتها لم ترتح قبل أن تلقي علي  موعظة لا ألقي بالا لفحواها ولم أسمع منها سوى ختامها:

بينما الطبيب يلف يديّ بعنايةٍ كجنين طري، قلت لها بمكر:  اصمتي يافتاة، لم أرتم في الملعب ، بل ذهبت لأجلب لأمي  عناقيد العنب البعيدة و  المعانقة للسماء،  هل تستطيعين أنت فعل ذلك؟ ماذا تفعلين  أنت! تبكين؟ الفتيات خلقن للبكاء

أتذكر نظرتها المستنكرة  وقولها:

– أحمد الله أنني فتاة! ،هذه نتيجة الطعام الذي خلطته أمي لك بالدلال وتشجيعك على محاربة الهواء،لا أستغرب أن تحطم حياتك وحياتها

قدمت الجارات للاطمئنان  علي وعلى أمي، وأعلنت أخيرا عجزها في جعلي ولداً سويا

لترد  إحداهن  مبررة ومخففة عنها:

– كل الأولاد عندهم طاقة يفرغونها  كيفما اتفق.

– لكن ابني كلما كبر أشعلت طاقته  ماحوله

الجارة باهتمام وعطف: الصبيان يحتاجون إلى الحركة أضعاف البنات ، وأنت اعتدت على هدوء البنات وانشغالهم بالرسم، والمطالعة،ومساعدتك .. أليس كذلك؟

– معك حق! لكن بعدما قويت قدما وحيد تحول بيتنا إلى  ساحة  لم يفارقها قرع طبول الانفعالات.

– من الواضح أن بركانا يتفجر في داخله،يؤلمه بلا شك شعوره برفض الجميع لتحركاته الكارثية.

– ليس من وقتٍ للألم عند ابني، عقله مشغوَ ل  بمغامراته و دروسه! لا لأنه  مندفع للتفوق بل لأنه يكره أن يتفوق عليه أحد.

حقيقة بعد أن كبرتُ أجهل تحول وجه أمي  لملاءة سوداء، وتقطيبة أبي المرعبة ، كلما زارنا جار زيارة مفاجئة، ظانين أنه جاء يشكو  رميه بسهام مكائدي التي تصيب يوميا كل من يرمقني بنظرة لا تعجبني،  أقلها بأن أضع قدمي  أمامه على حين غفلته فيركع  أو يسجد ، قد يتمدد كتجربة لنومه طويلة في القبر ، لأعيد قبل نومي شريط نهاري  المخزي فأشعرُ بندامة الكسعي.

لكن قبل أن أقفز كقرد خارج سور بيتنا  يمحي نهاري ما قرره ليلي  كأنني في النهار شيطا ن وفي الليل ملاك  صغير.

أتعبت شياطيني !  لسرعة استجابتي لأوامرهم، ولم أفي بوعود قطعتها لأمي   بعدما تراجعت عن نفخي كبالون ،لتسقيني متأخرة بعد أن خشن صوتي  المواعظ مع الحليب الذي لم تتوقف عن اجباري بشربه حتى اليوم، معترفة بقرارة نفسها أنها  جزءا من مشكلتي، لكنها لم تنجح في اقناع عقلي الباطني  بنسيان ما احتفظ به من أهمية وجودي كصبي.

عندما انتهت العطلة الصيفية وبدأت أيام الدراسة سجلت في ذاكرتي علوم الرياضيات والجغرافيا…. وفي ذات العقل احتفظت بصور مدراء  مدارسي الابتدائية وبعدها الإعدادية والثانوية، و محال أن تنتزع صورتي من ذواكرهم أيضا.

مدير الإعدادية  الذي تزلزل خطواته  المدرسة، تعهد أن يجعلني سويا كطريق معبد ، لثلاث سنوات دراسية أجبرته  أن يلعب معي  على رقعة عقلي ،فقتلت له جميع جنوده ،  وحطمت قلاعه، وروضت له  أحصنته، وسجنت فيليه في زاوية ضيقة، ليهرب وزيره، ويحتمي بقلاعه الساقطة، لأعلن كش تعهده قبل الآ وان

فيلجأ بعدها إلى أسلوب الضرب،  تألمت يداه وكسرت عصاه مرات علي، ّ لا مناص حدثت الكوارث سبقها حظي العاثر.

جرب معي مدير آخر كل الطرق المؤدية إلى طاحون التلميذ المهذب،  لم ينجح بأكثر من اعتذار ي

لجأت إلى القراءة كوسيلة لإصلاح  ما أفسدت من علاقات ، وخسرت من أصدقاء لا غيرة كما اعتقدت أمي.

ولكن كلما دخلت لأستعير كتابا أو اشتري محاضرةً من المكتبة تمسكُ بي الفوضى كما يمسك  العطر في الثوب   ،و قبل أن أشكر الموظفين تسقط بعض الرفوف على الأرض فتتوجع عناوينها، كما يتحاشى  الطلاب والمعلمات الاقتراب مني،

في جملة استعراض خطواتي السابقة ليوم زفافي ، من غير العدل نسيان مقعدي الخشبي الذي   خلق عاجزا لولا ذلك لهرب كلما دخلت إلى صفي، لأنه علم سابقا أنه سيتعرض بعد اللقاء بي   لضرب مبرح  بالمطرقة وغرز المزيد من المسامير في خواصر ه الأربع.

إلى آخر لحظة  شفع لي شغفي بالتعلم ، وتحقق حلم أمي وأبي حين  استلمت في حفل كبير أقامته الجامعة شهادة عالية في الهندسة، سبقتني إلى المنصة شابة لا شك أنها حواء الأولى بجميع صفاتها ، لم تسلم من بصيرتي المتغافلة، فقبل  أن تتجاوزني  في طريق عودتها من المدرج وصعودي إليه كانت كالمسطرة  على استقامة واحدة تعانق مسرح  تتويجنا، ولحسن حظي لم تكن من هؤلاء الفتيات  اللواتي يقمن الدنيا ولا يقعدنها على تصرف أبسط من وقوعها بعشرات المرات، أمسك يديها

معتذرا و أنا أساعدها في النهوض. بداية علاقتنا لم يكن ممكنا الاتصال إلا بالهواتف الأرضية، وأهديت لها كأول هدية هاتفا ذكيا  قبل أن أقدمه لها قفلته بكلمة سر طويلة جدا لدرجة أنني نسيتها وبقي لمدة لافائدة منه

عندما أخبرت أمي عنها  وأريتها صورتها على هاتفي.

ضحكت قائلة: استغل الفرصة قبل أن تتعرف عليك جيدا.

فكرت في   قول أمي مليا وقدرته كعادتي ؛  و سارعت في الطلب.

بدورها رأتني كما أظهر في المرآة  شاب  وسيم،  والأهم  وحيد، لا خدمة الزامية تنتظرني في بلد  تشتعل فبه حرب ولا يعرف متى تخمد،  أملك  بيتا منفصلا عن أ هلي ولا يشاركني فيه أحد.

في المحكمة، جرت الامور بسهولة بداية فقط الشاهد الأول تسارعت خطواته ليتدحرج على الدرج  حين تجاوزته، أما الشيخ  خرج غاضبا بعد اتمام عمله، أخجل من إخباركم  السبب، لا يمكن تصديق ماجرى لاحقا  فكأس الماء أمام القاضي انسكبت على الأورا ق  عندما أمسكت القلم لأوقع على عقد الزواج… مع العلم أن أمي ، أخواتي والعروس ألححن علي بضرورة توخي الحيطة والحذر في كل خطوة، ونفسي أيضاً جلدتني ببعض توصيات، كضرورة استخدام العينين اللتين تقبعان في وجهي ،وأنهما لم تخلقا للقراءة فقط ورؤية الجمال بل لهما مهمة أخرى تتزامن مع التركيز ، رغم ذلك عندما هدأت الموسيقى الصاخبة وصدحت موسيقا أجنبية رومانسية، وتقدمت بخطوة ثابتة ممسكا يد حواء بلطف، لكنني نسيت  كيفية امساك تلك القطعة المعدنية التي تدربت عشرات المرات على امساكها بحذر ووضعها في بنصر حواء، نجحت في التدريبات كلها التي سبقت يوم العرس ، لكن الخاتم المحتال خذلني و تدحرج أمام الناس  بعيدا تحت الطاولات، ركضت خلفه، فأصبحت الأرض مائدة مفتوحة من الفوضى ، وصراخ الحاضرات علا كأن سرب فئران يتقافز بين أقدامهن ،ومع ذلك تابعت جرّ أغطبة الطاولات بما عليها  رغم صوت العروس العالي وتهديدها بترك العرس إذا لم أتوقف وأعود إلى جانبها .معلنة أنها لن تلبسه حتى لووجدته.

بعد الهزة القوية لنفوس الحاضرين وجدت الخاتم بالقرب من الشيخ فعلمت ما يلبس تحت عباءته دون أن أفكر في عرقلته كالمرة السابقة.

استاءَ والدُ حواء من طيشي، وخيرها  العودة معه أو تحمل تصرفا ت شابٍ وحيد ضيع الدلال كثيرا من رجولت.

المسكينة اختارتني  وهي على يقين بأنها  ستخفف عن أمي عبء تحمل فوضويتي… رغم التغيرات الايجابية  الكبيرة  في حياتي  وشهرة صغيراتي بالجمال والهدوء، لم  تنفع تسميتي له، ولا دعواتي بأن لا يقول الناس سبق الحارث والده بخطوات. علما أنه لم يتجاوز السنتين لوّن الحصى الصغيرة باللون الأخضر ووضعها في صحن أخته على أنها بازياء.