سكرات الذات
عمرحمودالعامري – جيبوتي:
يا أنا ..كيف أنت؟ كيف تبدو الآن؟
وأنت أصبحت نصف مشرد
ومنبوذا بامتياز
كيف تبدو الآن؟
وقد ركلتك رياح القرية
واصطفقت بالمدينة
قل لي..كيف تبدو؟
متعبًا وخاليًا من كل شيء
كهذه الشوارع التي
خلفها العابرون
وراءهم في
مساء انتهاء العيد
أو في صباحات رمضانية
كيف تبدو الآن؟
وقد ارتديت طوق البؤس يوم
نسيت القرية وراءك
واصطدمت بجدار المدينة
كي تبدأ حياتها الفاضلة
كيف تبدو الآن ؟
هاهي النهاية تبتدئ
والبداية تنتهي
أما السفينة فحدها شطآن
أين أنت الآن؟
لاحدودَ لك
نسيت الحوتَ عمدًا
لكي تلتقي خضرًا
فلا التقيت به
ولا أهل المدينة ضيّفوك
قل لي بربك
كيف تبدو ؟
حيث لم تجد الهواية في القدر
ولم تحظَ بقَطرة علم
ولابظلِّ غيم
ولابزخةِ مطر
كيف تبدو الآن؟
وأنت وحيد..ترحل من
صمتٍ إلى صمت
ثم لا أنتَ أنت
أنت لستَ شيئًا من صورتِك
الحائطيةِ القديمةِ وأنت
في حضنِ أمك
ها أنت صرت قادرًا على
المشي إلى اللامكان
…بل إلى الجحيم
تضجُّ المدينةُ ملئَ رأسِك
نعم, بكل ما فيها تضج
ولا تمتُّ لك بصلةِ عدا
الخبز الجاف
وحيزًا من كتلة إنسان
يحاول
أن يكون حيًا
..عفوًا
يحاول أن لايكون شيئًا
لاحيًّا ولا ميتًا
لا آمنا ولا خائفا
لا محبوبا ولا مكروها
لابريئا ولا متهما
لامحظوظًا ولا تعيسا
لاباكيًا ولا ضاحكا
لاشئَ لاشئ
فقط تحاول أن تكونَ
حياديًا بين كل الأضداد
فقط تريد التخلُّص من
هذا الدماغ الهُلامِي الذي نَمَا
وترعرع في جُمجُمتِك
ثم تمرّدَ عليك
مازال مستنقعًا للأضداد
الأضداد التي يهربُ منها كلُّ
كائنٍ إلى الجانب الآخر منها
هذا الدماغ الذي
لايراعي الجسد الخائر كما لم
تراع السماء بكبريائها
صومعات هذه المساجد التي
تعبت من الوقوف
بل تعبَت من رفع أعناقها إليها
حتى كادت تلقي بأثقالها في
شوارع المدينة
ولا يراعي الروح
التي تنزف شلالات من
التعب كنزيف ماء المطر من
سطوح (آياصوفيا) نحو
شاطئ البوسفور باستمرار
على مدار موسم الأمطار
نعم قل لي يا أنا: كيف تبدو الآن؟
وقد مات في أعماقك طفل القرية
وشاخ في ذاتك شاب المدينة
وتوحش في شخصك الإنسان
لا تنكر
الوحش يبدو من تجاعيد وجهك
كيف تبدو الآن؟
وقد صرتَ مجردًا من كل شئ
غريبا تركهُ العابرون في
شوارع هذه المدينة العجوز
غير مكترثين به
الكل محتفي بالكل
ترى أشباحَهم تختفي في
معمعات السراب
لتبقى وحيدا
تشيعك قهقهاتهم اللافحة
بنار الموت داخلك
ثم ماذا؟
ثم تأخذ قهقهاتهم تضمحل
مع أولى زفراتهم التي تعلن بالشخير
وأنت ياأنت
فقط من ينكفئ على ذاته وينام
كي ينساهُ الموت