
قراءة في كتاب (ديمقراطية الجنجويد ماساة دار مساليت)
- هل ماحدث في الجنينة من انتهاكات جسيمة يعد امتدادا للصراعات التاريخية بين المساليت والعرب ؟
- كل ما جرى بعاصمة غرب دارفور من جرائم يدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية
- ما فعله المتمرد (بارك الله) مع الوالي (خميس أبكر) يعد صفحة جديدة من صفحات المليشيا السوداء
دكتور إبراهيم حسن ذو النون:
حرب 15 أبريل 2023م الماثلة الآن بالسودان مشاهدها الماسوية واثارها التي خلفتها كثيرة يصعب رصدها لانها في كل جزء من اجزاء الوطن خلفت جراحات لا تندمل و من الصعب نسيانها وانفس ماتت لن تعود اليها الحياة بالاضافة إلى الدمار والتدمير الممنهج وبرغم كل ذلك ماحدث في يونيو 2023م في مدينة الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور والمقر الرئيسي والتاريخي لسطنة دار المساليت يمثل النموذج الاسوأ والاكثر دموية وقسوة في هذه الحرب ..الدكتور عبدالاله دودة اصدر كتابا اسماه (ديمقراطية الجنجويد ماساة دار مساليت ) قدم من خلال صفحاته المائتين إلا صفحة رصدا دقيقا لتفاعلات ما حدث بالاضافة إلى اضاءات تاريخية مهمة لخلفيات الصراع (تاريخ الصراع في المنطقة) في اشارة ذكية منه قد تمثل اجابة تساؤل مهم ومشروع طرحه كل المهتمين بهذه الحرب وبما حدث في دارفور خلال الخمسة عقود الماضية (هل ما حدث في الجنينة من انتهاكات جسيمة يعد امتدادا للصراعات التاريخية المتطاولة بين قبيلة المساليت وبعض القبائل العربية)؟
(1)

الكاتب في ما يبدو وثيق الصلة بمدينة الجنينة فمن ناحية الاهتمام السياسي والتاريخي حيث تمثل له مدينة الجنينة مكانا لميلاده ومرتعا لصباه وموطنا لسكناه ونشاته وكما ان مراحله الدراسية كانت بها عدا الجامعة وقد خلا الكتاب من سيرة ذاتية للكاتب و كان الاجدى بالناشر دار النسيم للطباعة والنشر بالقاهرة بجمهورية مصر العربية ان يوردها برغم ايراد صورة له ومعلوم اهمية ايراد مستلخص لسيرة أي كاتب في كتابه المنشور لأن هذه السيرة ربما اسهمت بقدر وافر في تحليل الكتاب نفسه وحتى باستخدام محركات البحث على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنت)كانت الافادة عدم حصولنا على أي معلومة الا نذر يسير منها يتعلق بصلته بالمنظمات الدولية والتي ذكرها بشكل عام وان لم يحدد هذه الصلة.. ولكن برغم ذلك يمكن القول بان الكاتب مؤلف الكتاب استطاع وباحترافية رصد ما حدث من احداث حيث كشف بدقة متناهية ما جرى بواسطة قوات الدعم السريع المتمردة ولعل ذلك الرصد الدقيق قد جعله يخلص لنتيجة مهمة وهي تقديم اضاءات حول (الديمقراطية ) التي ظل يردد الحديث عنها قادة وبعض القادة الميدانين للمليشيا المتمردة بشكل ببغائي بانهم قاموا بكل ذلك للاتيان ب (الديمقراطية) واقتلاع الكيزان حيث اراد الكاتب ان يشير وبشكل تهكمي ان الديمقراطية التي يتحدثون عنها مثالها الفظائع التي ارتكبوها في مدينة الجنينة حاضرة ولاية غرب دارفور والمقر التاريخي والرئيسي لسطنة دار مساليت
(2)
قسم الكاتب كتابه لتوطئة ومقدمة ولعدد ثلاثة عشر فصلا بالاضافة للخاتمة وقد الحق بالكتاب عددا من الوثائق التي اعتمد عليها ومنها ( تقرير سلطنة دار مساليت الذي يبين تفاصيل الاحداث في الفترة من 24ابريل الى 12يوليو 2023م – بيان القبائل العربية الرحل الصادر في 10يوليو 2023م وتقرير مرصد الاحداث في السودان الصادر في 19 يوليو 2023م الذي اصدره مركز الدراسات الانسانية بجامعة بيل ووكالة ناسا ووزارة الخارجية الامريكية عن الاحداث في السودان بصفة عامة منذ بدء الحرب في 15 ابريل 2023م بالاضافة الى التقارير التي نشرتها اجهزة الاعلام المختلفة.
وقد بين الكاتب في التوطئة ان الكتاب في مجمله مجموعة من التجارب اليومية لعدد من سكان مدينة الجنينة يقصون فيها قصصهم الشخصية في ظروف حياتية صعبة للغاية يصفون فيها ما شاهدوه وسمعوه ولمسوه بانفسهم عن الاحداث التي في قلب مدينتهم وفي داخل بيوتهم وغرفهم احيانا واضاف الكاتب الدكتور عبدالاله دودة هدفي من تقديم هذة السطور تعريف العالم ببشاعة الحرب السودانية الجارية والمعاناة الانسانية الحقيقية التي عاناها سكان المدينة لعدة شهور امام مراى ومسمع من العالم دون ان يجدوا اي اعانة او اي مساعدة من اي جهة لوقف المجرمين من العبث بارواحهم وممتلكاتهم،
وقد اعتمد الكتاب على المقابلات الصوتية والتي اجراءها مع فئات مختلفة من سكان المدينة حيث قام بتفريغها وعرضها عرضا حرفيا وذلك بتدوين قصصهم كما رووها هم بانفسهم من دون زيادة او نقصان مع تقديم مداخلات بسيطة شرح من خلالها بعض المعلومات الموجودة عن جغرافية وتاريخ الولاية والتركيبة الديمغرافية والاجتماعية لغرب دارفور وعاصمتها الجنينة..وقد حدد الكاتب جملة الدوافع التي دفعت لاعداد هذا الكتاب ومنها نشاته في مدينة الجنينة مما اتاح له معرفة الكثير من جوانب الحياة السياسية والاجتماعية المختلفة عن الولاية بالاضافة الي احساسه للقيام بدور تجاه ما حدث في المدينة التي نشا فيها من خلال دفاعه عن حقوق مواطنيها بالمجتمع الدولي وذلك ان هناك خفايا يجهلها كل من لم يعايش الاحداث وثالثا قام الكاتب بزيارة الي معسكرات اللاجئين من اهل المدينة بشرق تشاد والذين قدموا له افادات في غاية الاهمية عن ما حدث وعن الاثار التي نجمت عن تلك الاحداث وذكر ان الدافع الرابع من اصدار هذا الكتاب هو سد الفراغ في توثيق ما حدث في مدينة الجنينة وذلك لان ما تم رصده قليل جدا اذا ماتم مقارنته بما حدث فعلا من حيث الكم والكيف والاثار واختتم التوطئة بدافع خامس وهواسماع صوت الضحايا والذي حجبته عوامل كثيرة من اسماع العالم له.
(3)

الكتاب في مجمله اثار العديد من ما حدث في الجنينة من القضايا ولكن هناك بعض النقاط قد القي فيها المزيد من التركيز مثل قضية الصراع التاريخي والذي بدا منذ سنوات بعيدة بشكل تقليدي (مزاعين من القبائل الزنجبة المساليت ورعاة من القبائل العربية) وباسلحة بيضاء تقليدية وكان غالبا مالا تحدث خسائر في اﻻرواح وفي النهاية غالبا ما ينتهي الامر بسلام اجتماعي تقوم بها المنظومة الامنية ممثلة في الشرطة والاجهزة الامنية وتكون الادارة الاهلية جزءا رئيسيا في المفاوضات و المصالحات ومن ثم الدخول في التسوية التي تقوم علي تحديد خسارات الاطراف وبعد ذلك تحديد الغرامات ومبالغ الغرامات سواء كانت عينية او نقدية بالاضافة للديات والتي تنظمها الاعراف الاهلية وليس الديات المنصوص عليها في الشريعة الاسلامية.
(4)
حين اندلع التمرد على الحكومة المركزية وكان الدافع المحوري منه هو اخراج اقليم دارفور من حالة التهميش الاقتصادي التنموي وادخاله منظومة التنمية المتوازنة والتي افتقدها لسنوات طويلة رغم دوره الواضح في الانتاج التقليدي الزراعي والرعوي حيث يسهم الاقليم بشكل مقدر في الاكتفاء الذاتي3 من المنتجات الزراعية والحيوانية – كما يسهم في صادراتها بنسب واضحة مما يؤدي الى التوازن الاقتصادي المطلوب الا انه لم يحظ بالتنمية هذه مما رتب ذلك الكثير قصص الاثار من بين المكونات السكانية واغبهم يمتنهون الزراعة ورعي الحيوان ولما كانت هذه المهن ترتبط بهذة المجموعات فان الصراعات تاخذ الطابع القبلي المميت بين المساليت وبعض القبائل العربية وقد تطاولت هذه الصراعات بشكل لافت ومتطاول خلال الاربعين عاما الماضية.
(5)
وفي الفصل الرابع الذي اختار له عنوانا مثيرا (حرب وشيكة وعقود مخروقة ) قال الدكتور عبدالاله دودة على صفحة (27)وما بعدها (ما يجري في دولة السودان اليوم يعد مثالا حيا لميكافيلية النخب والكيانات السياسية الافريقية التائهة في غياهب البحث عن السلطة وادعائها المشروخ في تحقيق فردوس الديمقراطية المفقود لبلدانها على مدار عقود ما بعد الاستقلال..فمنذ استقلال البلاد دابت هذه النخب باحزابها وطوائفها وكياناتها السياسية اليسارية منها واليمينية يهادنون الانقلابات العسكرية والدكتاتوريات من اجل تحقيق اهدافهم السياسية دون الالتفات لمصالح العامة من شعوبهم لذا استمرت الدولة في تدهور مريع في كل مناحي الحياة حتي اذا ما وصلت الي نقطة ما بعد حكومة البشير 2019م نجد ان هذه الكيانات قد احرقت كل اوراقها واستنزفت جل استراتيجياتها وتكتيكاتها ولم يبقي لها ما تراهن به في الوصول الي السلطة فانتصبت واقفة تضرب الستات في السبعات باحثة عن مخرج يعيد لها ماء وجهها المسكوب ولكن بضربة معلم قيد لها شيطانها الميكافيلي البارع التحالف مع اخر ما يمكن ان ياتي بديمقراطية نظيفة وهنا دشنت هذه الكيانات ارثها السياسي بمرحلة متقدمة من مراحل التخاذل فتامرت وغامرت وراهنت على المستحيل وزجت بالدولة في متاهة حرب لا تدري النخب ولا حتى الذين يديرون هذه الحرب كيفية الخروج منها) ولعل الكاتب قد قدم اشارة ذكية للتحالف بين النخب السياسية والاهلية التي تماهت مع مليشيا الدعم السريع المتمردة لكنه في ذات الوقت اكد بوضوح ان ما جرى في مدينة الجنينة وكجزء من هذه الحرب كانت له ابعاد تاريخية لم تبدا مع حرب 15ابريل 2023م ولكن لها اسباب جذرية موغلة في القدم فقال (لم تكن الحرب التي اجتاحت مدينة الجنينة وليدة الصدفة بل كانت حربا مدبرة وكان مخططا لها وكانت ارهاصاتها ماثلة للعيان حيث كانت المدينة وما حولها من القري والحلال تحت برميل بارود متلهب منذ احداث 2003م فمنذ اندلاع الحرب في الخرطوم ساد ولاية غرب دارفور خاصة مدينة الجنينة الخوف وعدم الاطئمنان من تنتقل هذه الحرب اليهم نسبة لما مرت به المنطقة من اضطرابات في السنوات الماضية كانت الجنينة منذ 2003م ميدان قتال مستمر بين مكونات المنطقة المختلفة وقد كان.
(6)
الكتاب حوى الكثير من التفاصيل المثيرة التي يصعب ايراداها في هذه المساحة فكل مظاهر الرعب والعنف البربرية والرعب والبشاعة قدمها بصورة ترسل في النفوس كل ما يدمي القلوب كما دعم الكتاب باحصائيات ومعلومات وصور تحكي وتصور بشاعة ماحدث كما قدم الكاتب صورا اخرى لالام النازحين الذين نزحوا لمناطق امنة لكنها سرعان ما لحقتها المليشيا بكل فظاعاتها وخروقاتها اما الذين فروا خارج الجنينة الي دولة تشاد خاصة في شرقها في مقاطعتي ادري وابشي فقد ذاقوا الامرين جراء عمليات التهجير القسري الممنهج والتقتيل والاغتصاب وكل ما يندي له الجبين بالاضافة لما لاقوا من عنت ومشقة لا توصف جراء اللجئو بكل اثاره المادية والنفسية المعنوية المعروفة
(7)

اما اكثر ما اورد الدكتور عبدالاله دودة في كتابه ما يدمي القلب ويفطره وهو ما جاء في الفصل التاسع على الصفحة 113وما بعدها بعنوان (كبش فداء) والتي روى فيها البشاعة التي تعرض اليها والي الولاية المغدور به خميس عبدالله ابكر والذي استدرجه قائد قوات الدعم السريع المتمردعبدالرحمن جمعة بارك الله حيث صور الكاتب هذا المشهد اللا انساني الذي يفطر القلوب ويدميها حيث قال (شاهد الملايين من سكان العالم الفيديو الصادم الذي اقيد فيه والي ولاية غرب دارفور خميس عبدالله ابكر بواسطة قائد الدعم عبدالرحمن جمعة بارك الله الى مقر قيادة الدعم السريع في غرب مدينة الجنينة تتقاذفه ايادي وعصي وكراسي عناصر المليشيات العربية في منظر مهين ومذل للغاية وبعد ذلك ظهور الذي ظل مختفيا خلال الشهرين السابقين لدقائق ظهر الوالي مرة اخرى ولكن كان ظهورا اكثر شناعة وقبحا حيث كان هذه المرة ميتا ومعلقاة على خلفية تويوتا لاند كروزر تسحبه في شوارع المدينة التي لم يسمع الكثير من سكان المعمورة عنها ولا عن الفظائع التي ظل المتحاربون يرتكبونها ضد السكان الابرياء قبل ظهور ذلك الفيديو ) وخلاصة القول ان ما قام به قائد الدعم السريع بقطاع ولاية غرب دار فور عبد الرحمن جمعة باراك الله من جرائم بشعة يعد صفحة من صفحات المليشيا المتمردة السوداء.
عموما الكتاب جدير بالقراءة ليس من باب الامتاع والتسلية ولكن للتأكد من كل ما قامت به مليشيا الدعم السريع المتمردة يمثل جرائم منصوص عليها في القانون الجنائي الدولي في ميثاق روما الحاكم للمحكمة الجنائية الدولية.