آخر الأخبار

إطالة أمد الحرب في السودان… في مصلحة من؟ الميليشيا أم الفاعلين الإقليميين؟

 

عمرو خان

حين تتحول الحرب من مواجهة عسكرية خاطفة إلى صراع ممتد، فإن السؤال لا يعود فقط عن الخسائر، بل عن المستفيدين. في الحالة السودانية، ومع استمرار المواجهات بين القوات المسلحة بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وميليشيا الدعم السريع  يبدو أن إطالة أمد الحرب لم تعد مجرد نتيجة للفوضى، بل معادلة سياسية واقتصادية معقدة تتقاطع فيها مصالح داخلية وإقليمية.

الميليشيا، بوصفها فاعلًا غير دولى، تستفيد بطبيعتها من السيولة الأمنية. فالحرب الطويلة تتيح لها إعادة التموضع، تجنيد مقاتلين جدد، والسيطرة على موارد محلية، سواء كانت مناجم ذهب أو طرق تهريب أو منافذ حدودية. في ظل غياب الدولة المركزية الفاعلة، تتحول الجغرافيا إلى مناطق نفوذ، وتصبح السيطرة على الأرض مرادفًا للشرعية الواقعية، حتى لو لم تكن شرعية قانونية. وكلما طال أمد الحرب، تآكلت مؤسسات الدولة أكثر، ما يمنح الميليشيا فرصة لتكريس نفسها كقوة أمر واقع، يصعب تجاوزها في أي تسوية سياسية لاحقة.

لكن اختزال المشهد في استفادة الميليشيا وحدها يُغفل البعد الإقليمي. فالسودان، بحكم موقعه الاستراتيجي بين القرن الأفريقي وشمال أفريقيا والبحر الأحمر، ليس ساحة محلية خالصة. هناك قوى إقليمية تنظر إلى الخرطوم بوصفها حلقة في شبكة أوسع من المصالح: أمن البحر الأحمر، تدفقات الهجرة، الاستثمارات الزراعية، المعادن النادرة، وحتى التوازنات مع قوى دولية كبرى.

إطالة أمد الحرب قد تخدم بعض هذه الأطراف عبر استنزاف السودان ومنعه من التحول إلى دولة مستقرة ذات قرار مستقل. دولة ضعيفة تعني قابلية أكبر للتأثير، واحتياجًا دائمًا للدعم السياسي أو المالي أو العسكري. في هذا السياق، يصبح الصراع أداة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل السودان بما يتوافق مع حسابات إقليمية، سواء عبر دعم مباشر لطرف، أو عبر إدارة الصراع من الخلف دون حسمه.

ثمة بعد اقتصادي لا يمكن تجاهله. فاقتصاد الحرب يخلق شبكات مصالح عابرة للحدود: تجارة سلاح، تهريب ذهب، وقود، وحتى بشر. هذه الشبكات لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى غطاء أو تساهل من أطراف إقليمية تستفيد بدورها من استمرار الفوضى. وكلما طال الصراع، ترسخت هذه الشبكات، وصار السلام تهديدًا لمصالحها.

ومع ذلك، فإن إطالة أمد الحرب ليست دائمًا خيارًا واعيًا أو مخططًا له بالكامل. أحيانًا تكون نتيجة لتضارب أجندات الفاعلين الإقليميين أنفسهم. كل طرف يسعى إلى منع انتصار خصمه الإقليمي عبر دعم حلفائه المحليين، فيتحول السودان إلى ساحة تصفية حسابات غير مباشرة. النتيجة ليست انتصارًا حاسمًا لأي طرف، بل حالة استنزاف مفتوحة.

السؤال الجوهري هنا: هل الميليشيا قادرة وحدها على إطالة الحرب؟ من الناحية العسكرية، قد تمتلك القدرة على المناورة، لكنها تحتاج إلى موارد مستمرة. ومن دون دعم أو تسهيلات خارجية، يصعب الحفاظ على زخم طويل الأمد في مواجهة جيش نظامي. هذا يفتح الباب أمام فرضية أن إطالة الحرب، وإن بدت في ظاهرها مصلحة مباشرة للميليشيا، فإنها تتقاطع مع مصالح إقليمية أوسع، سواء بدافع الطموح الجيوسياسي أو الخشية من صعود نموذج سياسي لا يتماشى مع حسابات تلك القوى.

في المقابل، لا يمكن إغفال أن استمرار الحرب يضر أيضًا ببعض الفاعلين الإقليميين، خاصة أولئك الذين يخشون من تداعيات أمنية مباشرة كامتداد العنف عبر الحدود أو تدفق اللاجئين. لذا فإن المشهد ليس أبيض وأسود، بل شبكة مصالح متعارضة، يتقاطع فيها الربح مع الخسارة.

النتيجة الأوضح حتى الآن أن الخاسر الأكبر هو الدولة السودانية ومجتمعها. فكل يوم إضافي في عمر الحرب يعني مزيدًا من الانهيار المؤسسي، وتآكل الطبقة الوسطى، وهجرة العقول، وتفكك النسيج الاجتماعي. ومع كل شهر يمر، يصبح إعادة بناء الدولة أكثر كلفة وتعقيدًا.

إطالة أمد الحرب قد تمنح الميليشيا فرصة للبقاء، وقد تمنح بعض الفاعلين الإقليميين نفوذًا مؤقتًا، لكنها في المدى البعيد تخلق بيئة عدم استقرار تمتد آثارها إلى ما وراء الحدود. فالدول التي تراهن على إدارة الفوضى غالبًا ما تكتشف أن الفوضى لا يمكن احتواؤها إلى الأبد.

السودان اليوم يقف عند مفترق طرق: إما أن يُترك رهينة لتقاطع مصالح مسلحة وإقليمية، أو أن تتبلور إرادة داخلية مدعومة بإجماع إقليمي حقيقي يضع حدًا لحرب الاستنزاف. السؤال ليس فقط في مصلحة من تطول الحرب، بل في من يملك الشجاعة السياسية لوقفها.

كاتب صحفي مصري