
على حافة الانفجار… تآكل الردع وإعادة تشكيل التوازن في الشرق الأوسط
عبدالناصر سلم حامد:
ليست كل الحروب تبدأ بإعلان رسمي، وليست كل الضربات العسكرية تغيّر المعادلات فوراً.. أحياناً يحدث التحول الحقيقي حين يُختبر الخط الأحمر مرة بعد أخرى، إلى أن يفقد صلابته ويتحوّل من حدٍّ فاصل إلى مساحة قابلة للتأويل. التصعيد الذي بدأ بضربات نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يبدو من هذا النوع؛ فهو لا يختبر قدرة عسكرية فحسب، بل يضع مفهوم الردع ذاته تحت ضغط غير مسبوق في نظام إقليمي تحكمه حسابات دقيقة لتوازن القوى.
*الحديث عن محاولة استهداف قيادات عليا، والتصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، أدخلت المواجهة في منطقة ضبابية بين الحرب المحدودة والصدام ذي الطابع الوجودي.. استهداف القيادة ليس مجرد خطوة تكتيكية، بل مساس مباشر بمركز الشرعية السياسية. ومع ذلك، تشير التجارب التاريخية إلى أن الردع لا ينهار بضربة واحدة؛ بل يتآكل تدريجياً عندما تتحول الاستثناءات إلى نمط، ويصبح تجاوز الخطوط الحمراء جزءاً من آلية إدارة الصراع.
التاريخ العسكري يقدم أمثلة واضحة على حدود القوة الجوية.. في عاصفة الصحراء عام 1991 أُصيبت القدرات العراقية بشلل واسع، لكن النظام بقي قائماً.. وفي عام 2003 لم يحدث التغيير إلا مع تدخل بري شامل أعاد تشكيل بنية الدولة بالكامل.. الفارق هنا ليس تقنياً بقدر ما هو بنيوي؛ إذ تستطيع الضربات أن تعطل أدوات القوة، لكنها لا تحسم إرادة سياسية متماسكة ما لم تترافق مع انقسام داخلي حاسم أو انهيار مؤسساتي عميق.
*إيران، من جهتها، ليست دولة تقوم على شخص واحد أو مركز هش يمكن إسقاطه بضربة مباشرة، بل منظومة مؤسسات أمنية وعقائدية وسياسية مترابطة. هذا التشابك يمنحها قدرة واضحة على امتصاص الصدمات، حتى في ظل ضغوط اقتصادية مستمرة تشمل تضخماً مرتفعاً وتراجعاً في قيمة العملة.. التجربة تشير إلى أن الأنظمة ذات الطابع الأمني تستطيع، لفترة زمنية ممتدة، الفصل بين الضيق الاقتصادي واستمرارية السلطة.
*من هنا، يبدو أن الهدف الواقعي لأي تصعيد جوي ليس إسقاط النظام الإيراني، بل دفعه إلى إعادة حساباته. تقويض منظومات القيادة والسيطرة، تقليص القدرة الصاروخية، ورفع الكلفة الاستراتيجية إلى مستوى يجعل الاستمرار في النهج السابق أكثر خطراً من تعديله – هذا هو منطق إعادة ضبط الردع لا منطق تغيير النظام.
*اللافت أن المواجهة لم تبقَ محصورة بين طرفين فقط.. انتقال الاستهداف إلى السعودية وقطر والإمارات والبحرين يعكس توسيعاً متعمداً لدائرة الضغط. الخليج ليس ساحة جانبية؛ إنه ينتج ما يقارب ثلث صادرات النفط العالمية، ويشرف على مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خُمس الاستهلاك النفطي اليومي عالمياً. أي اضطراب مستدام في هذا الممر لا يرفع الأسعار فحسب، بل يضاعف كلفة التأمين البحري ويعيد تسعير المخاطر في الاقتصاد الدولي بأكمله. هنا يتحول الضغط العسكري إلى أداة تأثير مالي عالمي.
*في هذا السياق، يتبدل جوهر السؤال. لم يعد الأمر يتعلق بمن يمتلك التفوق التقني فحسب، بل بمن يستطيع تحمّل الضغط لفترة أطول.. الردع غير المتماثل يعتمد على تعدد الجبهات وتشبع الدفاعات وإطالة أمد المواجهة. أما الردع التقليدي فيرتكز على الدقة والتفوق التكنولوجي والاستخبارات الدقيقة.. غير أن أي حملة جوية مكثفة تصطدم في النهاية باعتبارات لوجستية: إنتاج الذخائر الدقيقة ليس فورياً، وإعادة ملء المخزونات قد تستغرق أشهراً في حال توسع العمليات.
*إلى جانب ذلك، تواجه إسرائيل تحدياً يتمثل في محدودية عمقها الاستراتيجي.. استمرار إطلاق الصواريخ، حتى مع اعتراض نسبة كبيرة منها، يخلق ضغطاً اقتصادياً ونفسياً، ويستنزف منظومات الدفاع الجوي تدريجياً. الاستنزاف هنا لا يُقاس بعدد الصواريخ التي تصيب أهدافها، بل بعدد الأيام التي تبقى فيها الجبهة الداخلية في حالة تأهب دائم.
*المعادلة أصبحت متعددة الأبعاد.. لم يعد الصراع جوياً فقط، بل يمتد إلى البحر والفضاء السيبراني والمجال المعلوماتي.. ضربة رقمية مؤثرة على شبكة طاقة أو نظام مالي يمكن أن تعادل في أثرها ضربة عسكرية تقليدية، من دون إعلان حرب رسمي. هذه الطبيعة المركّبة ترفع احتمالات سوء التقدير، لأن حدود الرد لم تعد مرئية بوضوح كما في الحروب التقليدية.
*هناك أيضاً البعد السلوكي. صانع القرار يعمل تحت ضغط مزدوج: ضرورة الحفاظ على الردع خارجياً، والحفاظ على الهيبة داخلياً. أحياناً يصبح الرد مطلباً سياسياً لا يمكن تجاهله، حتى لو كان ثمنه العسكري مرتفعاً.. وهنا يتحول الصراع إلى اختبار لإدراك الحدود، لا مجرد تنافس في القوة النارية.
*على المستوى الدولي، لا تبدو القوى الكبرى راغبة في انفجار شامل.. الصين تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار تدفقات الطاقة، وروسيا قد تستفيد من إرباك الغرب لكنها لا ترغب في فوضى غير منضبطة، فيما تخشى أوروبا صدمة طاقة جديدة. البيئة الدولية تميل إلى الاحتواء، لكنها قد لا تتمكن من منع جولات تصعيد متكررة منخفضة الحدة.
*بناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن السيناريو الأرجح يتمثل في موجة تصعيد قوية تعقبها محاولة لإعادة تثبيت توازن ردعي أكثر صرامة. ومع ذلك، يبقى خطر الانزلاق قائماً إذا جرى تجاوز عتبات حساسة: استهداف منشآت طاقة استراتيجية، خسائر بشرية كبيرة في صفوف القوات الأمريكية، أو ضربة تصيب مركز القرار السياسي مباشرة.
*في جوهر المسألة، لا يدور الصراع حول ضربة محددة أو برنامج بعينه، بل حول تعريف حدود القوة في منطقة تعيش هشاشة بنيوية مزمنة. الردع ليس مخزوناً من الصواريخ، بل عقداً ضمنياً يحدد قواعد الاستخدام المقبول للقوة. وعندما تتكرر الخروقات، يبدأ هذا العقد في التآكل حتى وإن لم ينهَر فجأة.
*الشرق الأوسط يقف أمام لحظة دقيقة.. ليس بين حرب شاملة وسلام كامل، بل بين إعادة ضبط التوازن، واحتمال الدخول في مرحلة سيولة استراتيجية تتكرر فيها الأزمات بوتيرة أعلى وحدّة أكبر.. وفي مثل هذه اللحظات، لا يُقاس الاستقرار بعدد الأيام الهادئة، بل بقدرة الأطراف على إدراك حدود استخدام القوة قبل أن تتحول هذه القوة إلى عامل تفكيك للنظام الذي يفترض أنها تحميه.
*أما الجزء الثاني فسيتناول السيناريوهات المحتملة إذا تعثر مسار الاحتواء، وكيف يمكن أن يتطور اختبار الردع الحالي إلى إعادة تشكيل أوسع لمعادلات الأمن الإقليمي.