
بورصة الأعمار وسط الطوفان
لمياء موسى
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث بجنون، وتنطرح لمعادلة الربح والخسارة أثمن الأشياء، فالربح مضمون ويزيد، لكن كارثية النتائج أيضًا تفيض
فكل خطوة، وإن بدت صغيرة، فهي في حد ذاتها نجاح ما دامت تسير في الاتجاه الصحيح لإعادة الإنسان إلى مركز المعادلة داخل سوق لا يعترف إلا بالأرباح.
*أنا وأنتم، أعزائي القراء، نمتلك كنزًا عظيمًا تتنافس عليه كبرى الشركات والأفراد من مشارق الأرض ومغاربها. من سيكون سعيد الحظ في امتلاكه، أو حتى امتلاك جزءٍ منه؟
هذا الكنز أُزيح الستار عنه بلا تمهل في عصرنا هذا نعم، وأنت في بيتك محل تنافس عالمي
*لقد منّ الله علينا بنعمة الوجود، هذا الوجود الذي أرهق الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ، إذ فتح أمامهم بابًا لسؤال شائك لم يتمكن أحد من إجابته حتى الآن: أين كنا قبل أن نوجد؟ لكنه ليس محور حديثي، ويكفينا فخرًا أننا كُرِّمنا بهذا الوجود.. لكن وجودنا ليس سرمديًا، بل محدد بأجلٍ معلوم، وسنُحاسَب يومًا ما على ما أهدرناه منه
*لقد أصبح وقتي ووقتكم اليوم ذا قيمة مادية، إذ دخل في معادلات الربح والخسارة، وصار له حضورٌ فعلي في أروقة البورصات العالمية
*إنه لأمرٌ يدعو إلى الفخر ويوقظ الإحساس بالقيمة؛ أن أكون في غرفة نومي، ومع ذلك أشارك – بصورة أو بأخرى – في توجيه الاقتصاد العالمي. وللمفارقة العجيبة، قد يحدث كل ذلك بينما لا يحمل جيبي جنيهًا واحدًا
نعم، هذه الحقيقة المخيفة حين يتحول السوق من فضاءٍ لتبادل السلع والمنافع إلى سلعةٍ جديدة أفرزتها التكنولوجيا الحديثة، حيث تربعت على قمة الهرم. ما أن تدخل الشبكة العنكبوتية حتى يتسابق الجميع على اقتناص دقائقك. من يفوز بوقتك؟ من ينتزع منك ضغطة زر؟ لا يهم الموقف ولا القيمة، المهم أن ترتفع المشاهدات وتتكدس الأرقام.
*فتتدافع الشركات، ومن ثم يُفتح السوق على مصراعيه، وفي سبيل ذلك تم طرح كل القيم والعادات والتقاليد والمبادئ، إلى أن بلغ الأمر إلى الأديان ضمن هذا السوق العالمي. ودخلت الكاميرا بلا استئذان، موعودةً بالدولارات، داخل البيوت وغرف النوم، إلى أن تسللت إلى غرف العمليات وأَسِرَّة المرضى، فهتكت الحجب وفضحت الأسرار وكشفت المستور.
*في هذا السوق العالمي لم تُترك قيمة إلا وقد أُعيد تدويرها، ولا مبدأ إلا وأُحيط بظلال السخرية حتى تجرد من معناه، ولا خُلُق إلا جُعل مسار جدل ونقاش. حتى الأديان تكاثر المفتون، وتعدد المشككون، واختلطت الأصوات، فانحدر الحال إلى أن فقدنا البوصلة، فتاهت سفينتنا في بحرٍ لُجّي تتقاذفها الأمواج من كل جانب بلا هوادة. وعاقبة كل ذلك أن انتُزعت منا طاقتنا النورانية، وغابت عنا حاسة الإصغاء لهمس بصيرتنا.. إذ أصبح العالم جهازًا صغيرًا في يد الأطفال قبل الكبار.
*فلم يعد الطفل يستقي قيمه وأخلاقه من والديه، بل يدخل له كل دقيقة كمٌّ هائل من المعلومات العشوائية إلى دماغه الصغير، فلا يستطيع التعامل معها، فغاب عن بيئته وأقرانه ووالديه. صار يعيش داخل فقاعة إلكترونية توجهه كيفما أرادت، تلقنه ما شاءت، فتكاثرت الأمراض النفسية بين الأطفال، واتسعت الفجوة بين الحقيقة والخيال، حتى بدا والداه في نظره قادمين من العصور الحجرية، لا يفهمونه ولا يفهمهم.
*في هذا العالم لم يعد المعلم يُحترم، ولا التعليم ذا قيمة، أما الدراسة فأضحت بلا جدوى، إذ لا يرى إلا ما يلمع على الشاشة، ولا يؤمن إلا بما يمر عبر خوارزميات خفية لا ترحم.
المدهش أن الوالدين نفسيهما أصبحا أسرى العالم ذاته، كلٌّ يعيش في عالمه وتطبيقاته الخاصة، متجاوران جسديًا متباعدان روحيًا، لا حوار ولا مشاركة. فازدادت الخلافات الناتجة عن تعقد المشاكل، وتآكل الرابط المشترك بتراكم الصمت، دون أن يشعر أحد بخطورة ما يحدث، إلى حد أن تفاقمت حالات الطلاق بشكل غير مسبوق خلال عقدٍ واحد من الزمان.
*إن أردت إطلاق مسمى لما نعيشه اليوم لقلت إنها الفردية والأنانية المطلقة التي تحاول التكنولوجيا الحديثة تكريسها وتحويلها إلى نمط حياة جديد يقدم بوصفه أمرًا طبيعيًا.
*مؤخرًا جلست أمام شاشة اليوتيوب أستمع إلى بودكاست لا تتجاوز مدته ثلاثين دقيقة، لم أستطع الصبر حتى نهايته لأني اختنقت خلال الدقائق العشر الأولى من فرط ما انهال على من معلومات متناقضة في نفس الجلسة، لعل ملقيها نفسه لم يستوعبها، إذ نقلها من الغرب على عجل، محاولًا تمريرها إلى عقلي كما هي. زاد من سوء الأمر حين خفف من شأن قيم وأخلاق نشأنا عليها، مع إضافة جرعة من التحسر على ما مضى من عمره، حيث دعا إلى أنانية مجردة، وكأن قيمًا عظيمة مثل الغفران والعفو والصبر والاحتساب قد أودعت في دهاليز الماضي، ولم يعد لها مكان في حاضرٍ يقدس السرعة ويستهين بالمعنى.
أما خلق مثل صلة الرحم، الذي حثت عليه جميع الأديان السماوية، فقد ذابت قيمته داخل المحيط الافتراضي. أخ يسكن بجوار أخيه لا يعلم عن حاله شيئًا، وللمفارقة الثقيلة على الروح، قد يتوفى أحدهم ليكتشف الآخر متأخرًا أن أخاه كان مريضًا يعاني منذ مدة في صمت، بلا سند ولا سؤال. فتحولت القطيعة من خلق مشين إلى أمرٍ عادي تبرره المشاغل وتخدره الأعذار الجاهزة.
*ناهيك عن الانتشار الواسع للفساد، حيث استُبيحت الرشوة والغش والسرقة، واعتُبرت (شطارة) وتدبير حال و ضرورة يفرضها الواقع. أُعيدت تسمية الرذائل، وأُلبست أقنعة لغوية ناعمة، فشوهت القيم، مما جعل عقل الحليم يختل.
*لم يكن المصلحون ورجال الدين بمنأى عن هذا الطوفان، فقد نالهم منه نصيب وافر، فصار بعضهم يقدم ما يطلبه المستمعون لا ما تقتضيه الأمانة. غُيبت كلمة الحق التي ذلت رقاب وسُجنت نفوس وقُتل بسببها أنبياء وصالحون، فتم سترها وتغطيتها تحت طبقات من الكلام المعسول بالمجاملات والمواربة، حتى نحافظ على عدد المتابعين واتساع المنصات.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تحولت الشاشات إلى ساحات صراع يتبادل فيها بعض رجال الدين السب والتخوين أمام أعيننا في مشاهد عبثية غذت شكوك الكثير من الشباب التائه داخل الشبكة العنكبوتية، فازدادت الحيرة مع اتساع الهوة، فكثر الملحدون المصرحون بمعتقداتهم، والأخطر أولئك الملحدون المتلحفون بالدين.
*ألا آن الأوان أن نفيق ونخرج من الماتريكس لنرى بوضوح ما وصلنا إليه، ونعمل بجد ومسؤولية حتى نهتدي إلى نفق النور الذي يقودنا إلى الخروج؟.
*محاولة دولة مثل أستراليا في المنع القانوني للأطفال دون السادسة عشرة من إنشاء صفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي محاولة جادة من أجل تفادي الآثار السلبية للتكنولوجيا على الأطفال، حمايةً لطفولتهم ومستقبلهم. تبعتها المملكة المتحدة الآن في دراسة جدية لتطبيق هذا القانون.
*نحن أحوج ما نكون إلى مثل هذه القوانين في عالمنا العربي، قوانين واضحة ملزمة تحمي طفولة أطفالنا حتى لا يصير الطفل لاهثًا خلف سيلٍ متدفق من الأفكار والصور دون أن يمنح نفسه فرصة للفهم أو التأمل، حيث فاقت هذه الوسائل في سرعتها قدرة العقل البشري، ولا سيما عقل الطفل، على الاستيعاب.
*وهنا تقع على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية مهمة جسيمة لوضع حلول حقيقية لتدارك الأزمة، بدايةً من ورش عمل للوالدين للتوعية وتزويدهم بأدوات التربية السليمة، وصولًا إلى الطلبة داخل الجامعة حيث يتشكل الوعي النهائي للإنسان وتتبلور مواقفه وقيمه.
*المؤسسات الدينية لها دور قوي ومحوري في إعادة البناء من جديد للهوية الدينية للشباب، والرد العقلاني على أسئلة المراهقين وهواجسهم، وبيان ما يقال باسمها وما لا يمثلها. توحيد الخطاب المنضبط لا يقل أهمية عن مضمون الخطاب نفسه، بل قد يسبقه أثرًا، إذ يحد من الارتباك ويعيد الثقة في المرجعية، مما يغلق أبواب التلاعب بالدين، مع تعزيز ذلك بوضع عقوبة قانونية لا لبس فيها لمن يدعي أنه ينتمي إليها و هو ليس كذلك، صونًا لهيبة الدين والعلم من العبث الرخيص في سوق المشاهدات.
*وأخيرًا يبرز الدور المهم والمحوري للإعلام الهادف المهني في إحياء روح هويتنا الثقافية، إضافة إلى دوره التوعوي بكيفية الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا الحديثة باعتبارها أداة ينبغي ضبطها وتوجيهها لخدمة الإنسان. فالإعلام ليس مجرد ناقل للضجيج فقط، بل شريك أصيل في البناء الواعي للمجتمع.
*كاتبة مصرية مقيمة في لندن