آخر الأخبار

على بعد سنتيمترين

 

د. وداد معروف – مصر:

خرجنا معا من الإدارة، نقصد مركز التدريب المركزين، حملتنا سيارة الأستاذ وليد، جلستْ هي بجواره وجلستُ أنا في المقعد الخلفي، لم تكف عن الكلام طيلة الطريق معه، كما تحليت أنا بالصمت الجميل كعادتي، عبارات الزهو نفسها، التي ملَلْتُ سماعها منها، أنها سبقت أقرانها، وأن القيادات اختارتها لتكون رئيس قسم التدريب على مستوى الإدارة، وأنهم دائمًا  ما يثنون على كفاءتها النادرة، لكن وليد فاجأها بسؤال غريب لا أعرف أنا أيضًا عنه شيئًا.

– قال لها: د. تناظر هل حقًّا ما سمعت ؟

– ما الذي سمعته يا أستاذ وليد؟ ثم أكملت: لا أحد في هذه الإدارة يضع لسانه في فمه أبدًا

– يقولون: إنك اعتصمت في الإدارة يومين متتاليين، حين صدر لك  من مدير الإدارة أمر نقل من رئاسة قسم التدريب وإعادتك مرة أخرى للعمل بالتدريس في مدرستك الأصلية.

-نعم يا وليد، ما سمعتَه صحيح، هل تريدني أن أقبل هذه الإهانة! بعد رئاستي لقسم التدريب على مستوى المركز في الإدارة التعليمية أقبل بالعودة للسبورة والطباشير! وترأس بدلًا مني قسم التدريب معلمة لا فهم عندها ولا دراية؟، أنت تعرف يا وليد من خلال عملك معي المدة الماضية – وإن كانت قصيرة – كيف يحدث هذا ومدير الإدارة يقف من مقعده ترحيبا بي حينما أدخل عليه ، وكذلك وكيل الإدارة، أما المديرية فقد وصلها صِيتي وكيف أن د. تناظر محسن شخصية قيادية من طراز فريد.

– نعم يا د. تناظر، في الحقيقة أنا أتعلم منك، وهذا ما جعلني أطلب العمل معك، صورك في الجولات المهمة لوكيل الوزارة تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالإدارة والمديرية، الحقيقة يا د. تناظر أنت هيبةٌ ومهابة، قامة شامخة بلا شك.

-أعود لأوضح لك ما حدث في الاعتصام، رفضت الخروج من الإدارة وفرشت حصيرة في طرقة الطابق الثاني، أحضرتها من بيتي، وتواصلت مع صحفيين في جرائد ومجلات معارضة، وأخبرتهم أنني معتصمة هنا، حتى ينصفني الوزير ممن سلبني حقي.

اعتقد يا د. تناظر كان هذا عام 2011م

نعم يا وليد، كانت أياما كلها اعتصامات، فاستغللت هذا المناخ وأعلنت اعتصامي.

وما نتيجة الاعتصام؟

– نتيجته هو ما أنا فيه الآن، تواصل معي مكتب الوزير وطلب مني فض الاعتصام، وأرسل إليَّ قرارًا بإلغاء ما سبق، وعدت مظفرة لرئاسة قسمي.

– ضحك وليد وقال: ألم أقل لك يا دكتورة أنك هيبة ومهابة؟

– تسلم لي يا وليد، أنت تفهم جيدًا في معادن الناس.

اقتربنا من دخول المدينة واتجهنا للطريق الذي يفضي إلى بيتي الذي يجاور مركز التدريب الذي نقصده.

–  قلت لها: أستاذة تناظر، ممكن بعد أن ننتهي من المهمة أن أذهب لبيتي، سنكون اقتربنا من موعد الانصراف من العمل؟

– اصبري يا رشا، ننتهي من المهمة وأخبرك.

دخلنا المركز، رحب بي مديرُه فهو يعرفني من قبل، فقد عملنا معا في إدارة أخرى قبل نقلي لهذه الإدارة، رأت تناظر ترحيبه بي فاغتاظت؛ وظهر ذلك في وجهها، أرسلتني بقوائم المتدربين وأسماء من اختارتهم من الإدارة لتضعها في قوائم صرف المقابل المادي للتدريب، والذين هم في الحقيقة لم يشاركوا في أي من الدورات التدريبية بأي سهم، أما أنا من توليت التنسيق وتنظيم دورات التدريب، فكان وجود اسمي طبيعيًّا، وقد قالت لي: ضعي اسمك في القوائم، ذهبت وتركتها مع مدير المركز وراجعت الأسماء مع المسؤول، وبعد أن انتهيت جاءت هي ووليد، وراجعت الأسماء مرة أخرى، واستخدمت قلمها في الكشوف وهمست في أذن المسؤول فهز رأسه موافقًا.

سلَّمْنا وغادرنا المركز وركبنا السيارة، وحينما أصبحت على بعد سنتيمترين من بيتي

– قلت لها؛ أستاذة تناظر هذا بيتي ائذني لي أن أنزل.

– نظرت لبيتي وقالت لي: أهذا بيتك؟ جميل يا رشا، تعيشين في المدينة؛ لكن العمدة والد زوجي أصر أن نسكن معه في بيت العائلة في القرية.

– قلت لها وأنا أضحك: في القرية نعم، لكن في بيت عمدة، شيء يشرف.

– قالت: أعتذر لك يا رشا، لن تذهبي لبيتك، ستظلين معنا حتى أعود لموقف السيارات في مركز قريتنا،  فزوجي إن علم أني ركبت سيارة وليد وحدي لن يحدث طيب.

– إحساسي أنها رئيستي في العمل جعلني أُلطِّف لها الكلام: سيوصلنا الأستاذ وليد لموقف السيارات هنا وتركبين منه سيارة لمركزكم، لكن أن تعيديني مرة أخرى ثلاثين كليو مترًا لمقر عملي لتركبي من هناك مرة أخرى لبلدتكم، هذا صعب عليَّ، أنا هنا تحت شرفة بيتي، ذهبت صباحًا لعملي وعدت معكم الآن وتريدين مني أن أذهب مرة أخرى وأعود وحدي، هذا كثير عليَّ يا أستاذة تناظر

– اختلط صوتها بصوت وليد وهما يقولان لي: ولا كثير ولا شيء يا رشا

– ثم أكملت وقالت: اقتراحك مرفوض يا رشا، لن تصعدي لبيتك وستعودين معنا حتى تطمئني عليَّ وعلى جلوسي في سيارة عودتي لقريتي.

لم يقف وليد أمام بيتي وانطلق بالسيارة مسرعًا، ولم تفلح توسلاتي لهما بإنزالي من السيارة، وواصلت حديثها عن نفسها وزوجها الذي يغار عليها من الهواء حولها، فقد تزوجا بعد قصة حب ملتهبة، سمعتها وكلي قهر وغل من إعادتي عنوة معهما، أتأمل في هذه الغيرة الخائبة، فلا شيء فيها يدعو للغيرة، طويلة طولًا بائنا، وجسيمة جدًّا، وملامحها خشنة، وتلبس ملابس لا تليق على جسمها الضخم، تبدو كديناصور منقرض؛ لكن الحب لا يُبَـرَّر، لا أجد فيها لافتًا إلا حقيبتها الدبلوماسية التي تحملها جيئة وذهابًا، والتي تدخل بها على المديرين فيظنون أنها كادر جامعي مهم، أما هي فدعمت ذلك بتقديمها لنفسها دائمًا  د.تناظر.

ولما سمعت أن المعلمة التي كانت ستأخذ مكانها ستثبت أنها لم تحصل على أي شهادة بعد دبلوم المعلمات، هددت قسم الملفات أن أي أحد يطلب الاطلاع على ملفها الوظيفي ستحوله للشؤون القانونية، فانكمش رئيس القسم خائفًا وصار عنده هاجس مرضي من ملفها، ظلا يتحدثان طوال الطريق في حين يملؤني الغيظ، لا أطيق سماع صوتيهما، وصلنا لموقف السيارات، نزلتُ أنا وهي، حملت حقيبتها ذات الأهمية القصوى، صعدت للميكروباص، اتجهتُ أنا لميكروباص مدينتنا وأنا أحمل داخلي قدرًا من القهر يسع كل الناس،

بعد ثلاثة أشهر، صُرف لكل من وُضع اسمه في كشوف التدريب مكافأة، إلا أنا؛  فلم أجد اسمي.