الخريف في السودان للسودان
عبدالله محي الدين الجنايبي – السودان:
عَزِيزَتِي زَخَاتِ المطرِ في سماءَ بلادِي.
يَا نَبْضَ الرُّوحِ فِي أَرْضِ السُّودَانِ، يَا ابْنَةَ النِّيلِ، يَا سِرَّ التُّرَاب إِذَا تَوَضَّأَ بِضَوْءِ الشَّمْسِ، يَا امْتِدَادَ الدَّمِ الكُوشِيِّ فِي عُرُوقِ الزَّمَنِ .
لَقَدِ الْتَقَيْتُكِ لَا فِي مَمَرٍّ عَابِرٍ، بَلْ فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ عَلَى ضِفَّةِ النِّيلِ، حَيْثُ يَتَعَانَقُ الْمَاءُ وَالسَّمَاءُ، وَتَنْحَنِي الرِّيحُ احْتِرَامًا لِتَارِيخٍ كَتَبَتْهُ مملكة كوش عَلَى جِدَارِ الشَّمْسِ.
كَانَ اللِّقَاءُ هَادِئًا كَصَلَاةِ فَجْرٍ فِي قَرْيَةٍ نُوبِيَّةٍ، لَا طُبُولَ تُقْرَعُ، وَلَا مَزَامِيرَ تُنْشَدُ،
إلّا نَظْرَةً مِنْ عَيْنَيْكِ أَوْقَدَتْ فِي صَدْرِي أَلْفَ شُعْلَةٍ، وَأَعَادَتْ إِلَيَّ صَوْتَ أَجْدَادِي
وَهُمْ يُرَتِّلُونَ أَنَاشِيدَ الْمَجْدِ بَيْنَ أَهْرَامِ نُورِي وَمَرَوِي وجَبَل الدّايِرْ وأعالي الشّرق والتَّاكا.
يَا امْرَأَةً تَحْمِلُ فِي جَبِينِهَا هَيْبَةَ الْمَلِكَاتِ،
وَفِي خُطَاهَا رِفْقَ الْأُمَّهَاتِ، إِنِّي إِذَا اقْتَرَبْتُ مِنْكِ أَشْعُرُ أَنِّي أَقْتَرِبُ مِنَ الْوَطَنِ، وَأَنَّ الْوَطَنَ لَيْسَ تُرَابًا فَحَسْبُ، بَلْ أُنْثَى تَتَجَسَّدُ فِي مَلَامِحِكِ.
أَحْمِلُ إِلَيْكِ زَهْرَةً بَيْضَاءَ، يُطَوِّقُهَا بَنَفْسَجٌ كَعَهْدٍ قَدِيمٍ كُتِبَ في التَّوْراةِ، وَ نَدًى يَتَلَأْلَأُ عِنْدَ مِيسَمِهَا و بِتِلَّاتٌ زَرْقَاءُ كَلَوْنِ سَمَاءِ الْخَرْطُومِ عِنْدَ الْمَغِيبِ، حِينَ يَلْتَقِي النِّيلَانِ فِي عرْسٍ أَبَدِيٍّ مِنَ الْمَاءِ وَالضَّوْءِ.
إِنَّ حُبِّي لَكِ لَيْسَ نَزْوَةَ قَلْبٍ عَابِرٍ، بَلْ هُوَ عَهْدٌ يُكْتَبُ بِحِبْرِ النِّيلِ، وَيُخْتَمُ بِخَاتَمِ الْكُوشِيِّينَ، وَيَرْتَفِعُ كَقَصْرٍ مَبْنِيٍّ مِنْ حَقِيقَةٍ مَاسِيَّةٍ مَكْسُوَّةٍ بِذَهَبِ الْعِشْقِ.
فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَأَنَا أُصْغِي إِلَى خَفَقَاتِ قَلْبِي، أَسْمَعُ صَوْتَكِ يَتَرَدَّدُ فِي أَعْمَاقِي:
سَأَبْقَى فِيكَ
فَأُجِيبُكِ:
وَسَأَبْقَى أَنَا فِيكِ، كَمَا يَبْقَى النِّيلُ فِي أَرْضِهِ،
وَكَمَا تَبْقَى الشَّمْسُ وَفِيَّةً لِشُرُوقِهَا
يَا سَيِّدَةَ الرُّوحِ، يَا مَنْ تَتَجَلَّى فِيهَا أَرْضُ السُّودَانِ بِكُلِّ عَظَمَتِهَا، سَتَظَلِّينَ أُنْثَايَ الَّتِي وَهَبْتُهَا رُوحِي، وَسَأَظَلُّ لَكِ وَفِيًّا لَا خُضُوعًا بَلِ اخْتِيَارًا، كَمَا يَخْتَارُ الْفَارِسُ أَنْ يَمُوتَ دِفَاعًا عَنْ رَايَتِهِ
إِنِّي أُحِبُّكِ فَيَنْهَضُ فِيَّ الْوَطَنُ، وَأُحِبُّ الْوَطَنَ فَتَنْهَضِينَ فِيَّ أَنْتِ
وَبَيْنَكِ وَبَيْنَ السُّودَانِ روح العُلُو وسُكْن السَّماء وحُرِّيَّة الأصْل ونقاء الدَّم… فَكِلَاكُمَا
كُوشٌ إِذَا تَجَسَّدَتْ، وَنِيلٌ إِذَا تَكَلَّمَ، وَشَمْسٌ إِذَا أَشْرَقَتْ فِي قَلْبِ رَجُلٍ آمَنَ أَنَّ الْحُبَّ وَالْوَطَنَ وَجْهَانِ لِقَدَرٍ وَاحِدٍ