آخر الأخبار

الأمية إلى أين؟

درب التبانة

د. الحسين تاج الدين أحمد

 

*قد نستيقظ يومًا لنجد أنفسنا غرباء في عالم نعرفه جيدًا، لكننا لا نحسن العيش فيه.. عالم تتحكم فيه العقول الاصطناعية، وتُقاس فيه الثقافة والمعرفة بمدى قدرتنا على التفاعل مع الذكاء الاصطناعي لا بمدى قدرتنا على قراءة كتاب أو كتابة جملة. السؤال الذي يطل برأسه في كل صباح: هل نحن على أعتاب أمية جديدة، أم أننا قادرون على النجاة من هذا التحول الجذري؟.

*في الماضي، كان يُطلق وصف (الأمي) على من لا يعرف القراءة والكتابة، أي من لا يستطيع التعامل مع الحروف والكلمات. كان هذا المفهوم واضحًا ومستقرًا لعقود طويلة، حيث ارتبطت الأمية بالجهل المعرفي وانعدام القدرة على التواصل مع النصوص المكتوبة. لكن مع دخول الحاسب الآلي إلى حياتنا رويدًا رويدًا، تغيّر المفهوم تدريجيًا، فأصبح “الأمي” هو من لا يتعامل مع الحاسب، بعدما صار شرطًا أساسيًا في التعليم والثقافة والاقتصاد، بل وفي تفاصيل الحياة اليومية التي لم يعد من الممكن إدارتها دون أدوات رقمية.

*منذ بداية الألفية ، قاد الحاسب الآلي ثلاثة أجيال متعاقبة من التطور، جعلت منه الرائد في كل المجالات، من التعليم إلى الإعلام إلى الاقتصاد. غير أن العالم انقلب رأسًا على عقب عند منتصف الألفية، مع بزوغ فجر الذكاء الاصطناعي الذي تسارع بشكل مذهل، لينقل الحاسب من مجرد أداة إلى منظومة ذكية قادرة على التفكير والتحليل واتخاذ القرار بسرعة تكاد توازي سرعة الضوء. لم يعد الحاسب مجرد آلة، بل أصبح الذكاء الاصطناعي هو المحرك الأكبر للتغيير في كل القطاعات.

*اليوم، لم يعد التعامل مع الحاسب الآلي كافيًا ليُعتبر الإنسان متعلمًا أو مثقفًا؛ بل إن من يتعامل معه كآلة جامدة يُعد (أميًا) بالدرجة الأولى. *الأمية الجديدة هي العجز عن فهم الذكاء الاصطناعي أو توظيفه في الحياة والعمل. وهنا يطرح السؤال نفسه: إلى أين يتجه مفهوم الأمية؟ هل نصبح يومًا ما في عداد (الأميين الجدد) إذا لم نواكب الذكاء الاصطناعي؟ وهل سيصمد هذا الذكاء أمام التغيرات ليصبح هو الدليل والمعيار الحقيقي للمتعلمين والمثقفين؟

حتى لا نجد أنفسنا في صفوف الأميين الجدد، علينا أن نتمسك بالتعلم المستمر، وأن نواكب التطورات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات الضخمة. لا يكفي أن نتعلم استخدام تطبيقات معينة، بل يجب أن نطور مهاراتنا النقدية والإبداعية، لأن الإنسان يتميز بما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدمه: الخيال، الأخلاق، والقدرة على اتخاذ قرارات إنسانية.. كما أن بناء وعي رقمي نقدي تجاه المعلومات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي ضرورة، حتى لا نقع في فخ قبولها بشكل أعمى.

*الأمية الجديدة ليست قدَرًا محتوماً، بل تحديًا يمكن تجاوزه بالوعي والتكامل مع التكنولوجيا. من يتقن التعامل مع الذكاء الاصطناعي ويحتفظ بإنسانيته سيظل في صفوف المتعلمين والمثقفين، بينما من يكتفي بالاستخدام السطحي سيجد نفسه في عداد الأميين الجدد. إن المستقبل لن يقيس الثقافة والمعرفة بمدى القدرة على القراءة والكتابة فقط، بل بمدى القدرة على التفاعل مع العقول الاصطناعية، وتوظيفها في خدمة الإنسان والمجتمع.