
كلما اقترب السلام في السودان… من يعيد البلاد إلى نقطة الصفر؟
عمرو خان
*كلما اقتربت القوات المسلحة السودانية والقوات المشتركة من حسم معارك ما بات يُعرف بحرب الكرامة، يظهر في المشهد ما يشبه موجة من الارتباك السياسي والإعلامي، تعيد طرح أسئلة قديمة وتفتح جبهات جديدة من الجدل، وكأن هناك قوة خفية لا تريد أن تصل البلاد إلى لحظة الاستقرار الكامل.. هذه الظاهرة تكررت أكثر من مرة خلال مسار الحرب، فكلما تقدمت القوات ميدانيًا واقتربت من تحقيق مكاسب حاسمة، طفت على السطح أحداث أو تصريحات أو تحركات سياسية تعيد خلط الأوراق وتربك المشهد العام.
*في مثل هذه اللحظات الحساسة من تاريخ الدول، يصبح الحفاظ على وحدة الصف الداخلي عنصرًا لا يقل أهمية عن الانتصار في الميدان.. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالسلاح، بل أيضًا بالمعركة السياسية والإعلامية والنفسية التي تدور بالتوازي مع العمليات العسكرية.. ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول بعض السجالات السياسية أو الحملات الإعلامية المفاجئة إلى عوامل ضغط على الجبهة الداخلية، وقد تصل أحيانًا إلى حد إعادة بعض النقاشات إلى نقطة الصفر.
*السودان يعيش اليوم واحدة من أكثر لحظاته التاريخية تعقيدًا.. فالحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تكن مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل كشفت عن شبكة معقدة من المصالح الإقليمية والدولية، إضافة إلى انقسامات داخلية تراكمت عبر عقود طويلة من الأزمات السياسية. لذلك فإن أي تقدم ميداني لا يعني بالضرورة نهاية سريعة للصراع، لأن الصراعات العميقة غالبًا ما تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من خطوط القتال.
*السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا يبدو أن هناك أطرافًا لا تريد للسودان أن يصل إلى حالة الاستقرار؟ الإجابة ليست بسيطة، لكنها ترتبط بعدة مستويات من المصالح المتشابكة. فالسودان بلد غني بالموارد الطبيعية ويحتل موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا في قلب إفريقيا وعلى مقربة من البحر الأحمر، وهو ما يجعله ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية متعددة. في مثل هذا السياق، قد لا يكون الاستقرار الكامل في السودان خيارًا مريحًا لبعض الأطراف التي ترى في حالة السيولة السياسية فرصة لتعزيز نفوذها أو حماية مصالحها.
*لكن العامل الخارجي ليس وحده المسؤول عن تعقيد المشهد.. فالأزمة السودانية لها أيضًا جذور داخلية عميقة تتعلق بطبيعة الصراع السياسي في البلاد.. فالنخب السياسية السودانية عانت طويلًا من الانقسامات الحادة وعدم القدرة على بناء توافق وطني مستدام.. ومع كل مرحلة انتقالية كانت الخلافات تعود للظهور بشكل أكثر حدة، مما جعل الدولة عرضة لهزات متكررة في بنيتها السياسية والمؤسسية.
*الحرب الحالية كشفت كذلك عن تحدٍ آخر يتمثل في معركة الرواية.. فكل طرف يحاول تقديم تفسيره الخاص لما يجري، مستخدمًا وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي لتشكيل الرأي العام.. وفي ظل غياب خطاب وطني موحد قادر على طمأنة الشارع، يصبح المجال مفتوحًا أمام الشائعات وحملات التضليل التي قد تؤدي إلى إضعاف الثقة بين مكونات المجتمع.
*ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه المرحلة هو أن تتحول الخلافات السياسية إلى عامل يهدد تماسك الجبهة الداخلية.. فالتاريخ يخبرنا أن الدول التي تنجح في تجاوز الحروب ليست بالضرورة تلك التي تمتلك القوة العسكرية الأكبر، بل تلك التي تتمكن من الحفاظ على حد أدنى من الوحدة الوطنية خلال الأزمات.
*السودانيون اليوم أمام اختبار تاريخي حقيقي.. فإما أن تتحول لحظة الحرب إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة من التوافق والعدالة، أو أن تستمر دوامة الانقسامات التي عطلت مسيرة البلاد لعقود طويلة. الطريق إلى الاستقرار لن يكون سهلًا، لكنه يبدأ بإدراك أن الخلاف السياسي مشروع، بينما تحويله إلى معركة تكسر وحدة المجتمع هو الخطر الأكبر.
*إن الحفاظ على السودان موحدًا ومستقرًا ليس مسؤولية مؤسسة واحدة أو تيار سياسي بعينه، بل هو مسؤولية جماعية لكل القوى الوطنية. فالمعركة الحقيقية بعد الحرب لن تكون فقط في إعادة إعمار المدن أو إصلاح الاقتصاد، بل في ترميم الثقة بين السودانيين أنفسهم.
*وفي النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس فقط لماذا لا يريد البعض الاستقرار للسودان، بل كيف يمكن للسودانيين أنفسهم أن يجعلوا من إرادتهم الوطنية قوة قادرة على تجاوز كل محاولات إعادة البلاد إلى نقطة الصفر.
*كاتب صحفي مصري