انتقال الولاية إلى مجتبى خامنئي..قراءة في مستقبل السياسة الإيرانية وعلاقاتها العربية والغربية
د. ميمونة سعيد آدم أبو رقاب
*يشكل انتقال منصب المرشد الأعلى في إيران إلى مجتبى خامنئي بعد رحيل والده علي خامنئي لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ لا يقتصر هذا التحول على تغيير شخص القيادة العليا فحسب، بل يمثل بداية مرحلة سياسية جديدة قد تعيد رسم ملامح السياسة الداخلية والخارجية للدولة. فمنذ قيام النظام الإيراني عقب الثورة الإيرانية 1979 ظل منصب المرشد الأعلى يمثل مركز الثقل في بنية الحكم، حيث يجمع بين السلطة الدينية والسياسية والعسكرية، ويشرف على التوجهات الاستراتيجية للدولة.
*إن وصول مجتبى خامنئي إلى موقع القيادة جاء بعد عملية سياسية ودستورية معقدة داخل مؤسسات النظام، وعلى رأسها مجلس خبراء القيادة الذي يتولى وفق الدستور اختيار المرشد الأعلى. ورغم أن المجلس هو الجهة الرسمية المخولة بهذا القرار، فإن التوازنات داخل مؤسسات القوة المختلفة لعبت دورًا مهمًا في بلورة هذا الخيار، خاصة في ظل النفوذ الكبير الذي تمارسه المؤسسات الأمنية والعسكرية داخل النظام.
*منذ السنوات التي سبقت انتقال السلطة، كان اسم مجتبى خامنئي مطروحًا في العديد من التحليلات بوصفه شخصية مؤثرة داخل دوائر صنع القرا، رغم أنه لم يشغل منصبًا رسميًا بارزًا في مؤسسات الدولة. وقد ارتبط اسمه بعلاقات وثيقة مع بعض القيادات داخل الحرس الثوري الإيراني، وهي المؤسسة التي تحولت خلال العقود الماضية إلى أحد الأعمدة الأساسية للنظام السياسي، لما تمتلكه من نفوذ عسكري واقتصادي وسياسي واسع.
*مع تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى، يواجه النظام الإيراني مرحلة انتقالية تتسم بالحساسية، إذ يتعين على القيادة الجديدة تثبيت شرعيتها السياسية والدينية داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. فمكانة المرشد الأعلى لا تقوم فقط على السلطة السياسية، بل تستند أيضًا إلى شرعية دينية تمنحها المؤسسات الفقهية في الحوزات العلمية، خصوصًا في مدينتي قم ومشهد.. ومن هنا فإن قدرة القيادة الجديدة على بناء توافق بين المؤسسة الدينية والمؤسسة الأمنية والسياسية ستكون عاملًا حاسمًا في استقرار المرحلة المقبلة.
*على مستوى السياسة الداخلية، من المتوقع أن يسعى مجتبى خامنئي إلى الحفاظ على توازن دقيق بين مراكز القوة المختلفة داخل النظام. فالنظام الإيراني يقوم على شبكة معقدة من المؤسسات التي تتقاسم النفوذ، وتشمل المؤسسة الدينية، والحرس الثوري، والتيارات السياسية المختلفة داخل الدولة.. ومن المرجح أن تعمل القيادة الجديدة على تعزيز دور هذه المؤسسات ضمن إطار يحافظ على تماسك النظام ويمنع حدوث صراعات داخلية على السلطة.
*أما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، فمن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة مزيجًا من الاستمرارية والتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية. فقد اعتمدت إيران خلال العقود الماضية على استراتيجية تقوم على توسيع نفوذها الإقليمي عبر شبكة من التحالفات السياسية والعسكرية في عدة مناطق من الشرق الأوسط. وقد برز هذا النفوذ بشكل واضح في عدد من الدول مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن.
*ومع تولي مجتبى خامنئي القيادة، من المرجح أن تستمر هذه الاستراتيجية بوصفها أحد ركائز الأمن القومي الإيراني، لكنها قد تشهد تعديلات تكتيكية تهدف إلى تقليل كلفة الانخراط في بعض الصراعات الإقليمية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها إيران.. فالقيادة الجديدة تدرك أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية قد يشكل تهديدًا للاستقرار الداخلي، الأمر الذي قد يدفعها إلى اتباع سياسات خارجية أكثر مرونة في بعض الملفات.
*في هذا السياق، قد تسعى إيران إلى تعزيز علاقاتها مع الدول العربية، خاصة بعد التحولات التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة. فقد شهدت العلاقات بين طهران والسعودية تحسنًا ملحوظًا بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بوساطة الصين، وهو تطور قد يشكل نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من العلاقات بين إيران والدول العربية. ومن المتوقع أن تحرص القيادة الإيرانية الجديدة على الحفاظ على هذا المسار، وربما تطويره ليشمل مزيدًا من التعاون السياسي والاقتصادي مع دول الخليج مثل الإمارات العربية المتحدة وقطر.
أما العلاقة مع الغرب فستظل أحد أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الإيرانية. فقد شهدت العلاقات بين إيران والولايات المتحدة توترات متصاعدة خلال السنوات الماضية بسبب الخلافات حول البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية. ومع تولي مجتبى خامنئي القيادة، قد تسعى إيران إلى إعادة فتح قنوات التفاوض مع القوى الغربية بهدف التوصل إلى تفاهمات جديدة تخفف من الضغوط الاقتصادية، دون التخلي عن ثوابتها الاستراتيجية.
*في الوقت نفسه، ستواصل إيران تعزيز علاقاتها مع القوى الدولية الصاعدة مثل روسيا والصين، في إطار استراتيجية تهدف إلى بناء توازن دولي يحد من الهيمنة الغربية. وقد أصبحت هذه الشراكات جزءًا أساسيًا من رؤية إيران للنظام الدولي في ظل التحولات المتسارعة نحو عالم متعدد الأقطاب.
*إلى جانب التحديات الخارجية، تواجه القيادة الإيرانية الجديدة تحديات داخلية تتعلق بالوضع الاقتصادي والاجتماعي.. فالعقوبات الدولية والتقلبات الاقتصادية أثرت بشكل واضح على مستويات المعيشة في البلاد، وهو ما قد يدفع القيادة الجديدة إلى إعطاء أولوية أكبر للإصلاحات الاقتصادية وتحسين البيئة الاستثمارية.
*انطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن القول إن مرحلة مجتبى خامنئي قد تتسم بمحاولة الجمع بين الحفاظ على ثوابت النظام السياسي الإيراني وبين إدخال قدر من البراغماتية في إدارة العلاقات الإقليمية والدولية. فالتحدي الأكبر أمام القيادة الجديدة يتمثل في تحقيق توازن بين استمرار النفوذ الإقليمي لإيران وبين الحاجة إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الداخلي.
*في المحصلة، فإن انتقال الولاية إلى مجتبى خامنئي يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. وستعتمد ملامح هذه المرحلة إلى حد كبير على قدرة القيادة الجديدة على إدارة التوازنات الداخلية للنظام والتعامل بمرونة مع التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم. وبين الاستمرارية والتغيير ستتحدد اتجاهات السياسة الإيرانية في السنوات المقبلة، وما إذا كانت المنطقة ستشهد مرحلة من التهدئة والاستقرار أو استمرار التنافس الاستراتيجي بين القوى الإقليمية والدولية.