
تضخم الذات في الشأن العام … من صناعة الهالات إلى تآكل الدولة (2-2)
مؤطى قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*مع استمرار تضخّم الذات في مجال العمل العام السوداني، لا يبدو الأمر مجرد سلوك اجتماعي عابر أو نزعة فردية يمكن احتمالها، بل يقترب في دلالته من حالة مرضية تتسلل إلى جسد الدولة نفسها. فكأن هذا التضخم يتحول شيئًا فشيئًا إلى ورمٍ خبيثٍ يتكاثر في أنسجة المجال العام، ويعمل بصمت على تآكل خلايا الدولة السودانية ومؤسساتها، حتى يضعف قدرتها على القيام بوظائفها الطبيعية، ويقودها في نهاية المطاف إلى حالة من الوهن والاختلال قد تؤدي إن لم تُعالَج إلى هلاك الدولة نفسها.
*غير أن الإشكال الأعمق لا يكمن في المظاهر، بل في المعنى الكامن خلفها. ففي كثير من الحالات يصبح الشأن العام نفسه مادة للاستثمار الشخصي؛ تُتَّخذ قضايا الوطن سلعةً للاتجار السياسي أو الاجتماعي، ويُستخدم الحديث عن الوطن سلّمًا للصعود الشخصي.
*وهنا يحدث الانقلاب الأخلاقي الأخطر؛ حيث يُرفع الشخص فوق القضية، وتُقدَّم الذات على الوطن، ويصبح الأخذ أكثر من العطاء.. فهذه الظاهرة لم تولد فجأة، فقد كانت موجودة بدرجات متفاوتة لكن بنسبٍ مقبولة خلال سنوات نظام الإنقاذ، حيث ساهمت طبيعة السلطة المركزية والخطاب التعبوي في إنتاج بعض مظاهر الشخصنة. غير أن تراجع الدولة بعد سقوط النظام في عام 2019م، ثم الفراغ المؤسسي الذي أعقب ذلك، سمح لهذه النزعة أن تتضخم بصورة أكبر.
*ثم جاءت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل من العام 2023م لتفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث اختلطت السلطة بالسلاح، والسياسة بالإعلام، والنفوذ بالمال، فأصبح المجال العام ساحة مفتوحة لصناعة الرموز الفردية والهالات الاجتماعية.
*في هذا المناخ المضطرب، أصبح كثيرون يسعون إلى موقع اجتماعي، أو مركز سلطة، أو نفوذ مالي، أو مكانة رمزية، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم أو على حساب الوطن نفسه.
*والحال أن الأمم لا تبنى بتضخم الذوات، بل بتواضع الكبار، وبقوة المؤسسات، وبسمو القيم العامة. فالمجتمعات التي تتقدم هي تلك التي يتقدم فيها الوطن على الأشخاص، والمؤسسة على الأفراد، والفكرة على الزعامة.
*إن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون فقط عبر النقد الأخلاقي، بل تحتاج إلى علاج مؤسسي واجتماعي وثقافي يقوم على:
– إعادة الاعتبار لقيم العمل المؤسسي بدل الشخصنة.
– ترسيخ ثقافة المساءلة والمحاسبة في العمل العام.
– تقليل مظاهر الاستعراض السلطوي في الحياة السياسية والاجتماعية.
– إعادة الاعتبار لقيم التجرد والتواضع والخدمة العامة.
*كما يحتاج المجتمع نفسه إلى مراجعة بعض أنماط السلوك التي تسهم في صناعة هذه الظاهرة، مثل المبالغة في المديح، وصناعة الهالات، وتقديس الأشخاص بدل تقييم الأفعال.
فالوطن، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى نجوم سياسيين أو عسكريين بقدر ما يحتاج إلى رجال دولة؛ رجالٍ يعرفون أن القيادة ليست مظهرًا، وأن المسؤولية ليست وجاهة، وأن خدمة البلاد ليست طريقًا للثراء أو الشهرة، بل تكليف ثقيل يقتضي التضحية والبذل والتجرد.
*إن السودان، وهو يمر بهذه اللحظة التاريخية العاصفة، أحوج ما يكون إلى إعادة ترتيب سلّم القيم في الحياة العامة؛ بحيث يتقدم الوطن على الذات، ويتقدم العطاء على الأخذ، وتتقدم التضحية على الامتيازات.
وعليه، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول ليس فقط الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل تضخم (الأنا الشخصية) في مجال العمل العام، حينها تتقدم مراكز الأنا الفردية على الفكرة، والشخص على المؤسسة، وتطغى هالة المسؤول على الدولة نفسها. فالأوطان لا تبنى بالمديح المصنوع ولا بالهالات المتكلفة، بل تبنى برجالٍ ونساءٍ يعرفون أن المسؤولية تكليف لا تشريف، وأن الموقع العام خدمة لا امتياز، وأن الوطن أكبر من كل الأسماء والوجوه.
وحين يستعيد المجتمع هذه المعادلة الأخلاقية البسيطة، تتراجع الهالات المصطنعة، وتعود المؤسسات إلى مكانها الطبيعي، ويستعيد الوطن عافيته. أما إذا استمر تضخم الذات دون مراجعة أو مساءلة، فإن الهالات التي تُصنع حول الأشخاص قد تتحول – من حيث لا يشعر أصحابها – إلى معاول تنخر في جسد الدولة حتى تضعف وتنهار.
*وليس أخطر على الدول من تضخم الأنا في الشأن العام؛ فالدول تنهض بالمؤسسات، لكنها تضعف حين تتحول المواقع العامة إلى مرايا تعكس صور شاغليها لا قضايا الوطن ومصالحه.
فالأوطان لا تنهض بالهالات المصنوعة، ولا تُبنى بالمديح المصطنع، بل بعرق الرجال الصادقين الذين يعملون بصمت، ويعطون دون انتظار مكافأة، ويضعون الوطن فوق كل حظ نفس أو شأن خاص.
*وحين يستعيد المجتمع هذه المعادلة، يمكن عندها فقط أن ينحسر تضخم الذوات، ويعود السودان إلى صورته التي عرفها الناس من كونه وطنًا كبيرًا برجالٍ متواضعين، ولكن بعطاءٍ عظيم منزوع الانا.