آخر الأخبار

المركزية الذكورية في قصة (سخونة لا تُرد) والخصوصية في الحركة المضادة

 

قراءة نقدية: مها المسلمي – لبنان:

في ظل التعدد الأجناسي الذي تشهده الكتابة السردية الحديثة، تبرز القصة القصيرة جدًا بوصفها جنسًا أدبيًا يعتمد على التكثيف اللغوي والاقتصاد في السرد مع قدرة عالية على إنتاج الدلالة عبر الإيحاء والمفارقة. وفي هذا السياق يطل القاص السعودي حسن علي البطران بأسلوب رمزي جريء، يجعل من المفارقة أداة مركزية في بناء المعنى.

ومن خلال متابعتي لبعض نصوصه، استوقفني نص قصير بعنوان سخونة لا تُرد لما يحمله من كثافة دلالية تفتح المجال لقراءات متعددة، خصوصًا في ما يتعلق بعلاقة السلطة بين الذكوري والأنثوي داخل النص

النص:

قبلها،

استساغ ريقها

أحكمت أزرة قميصها،

ابتسم

لكنها لم تبتسم،

وطلبت شيئًا من ريقه

 

أولًا: دلالة العنوان

يحمل العنوان سخونة لا تُرد تركيبًا اسميًا يفيد الثبوت والاستمرار، لا الحدث العابر. كما أن صيغة لا تُرد المبنية للمجهول تخلق مساحة من الغموض الدلالي، إذ تفتح سؤالًا ضمنيًا

ما الذي لا يُرد؟

هل هي الرغبة؟ أم الفعل؟ أم حرارة اللحظة؟

يحيل العنوان إلى طاقة اندفاعية أحادية الاتجاه توحي بوجود فعل عاطفي أو جسدي لا يجد استجابة مقابلة، مما يمهّد لدينامية التوتر التي سيبني عليها النص مفارقته السردية.

ثانيًا: البنية السردية وحركة الفعل

يفتتح النص بالفعلين:

قبلها

استساغ ريقها

وهما فعلان يرتبطان بسياق جسدي مباشر، ويضعان الفاعل الذكوري في موقع المبادرة والامتلاك. فالفعل هنا ليس مجرد تواصل عاطفي، بل يتضمن بعدًا دلاليًا يقوم على التذوق والامتلاك الرمزي.

بهذا المعنى تتشكل في بداية النص مركزية الفاعل الذكوري الذي يمارس الفعل بينما تُقدَّم الأنثى في موقع المفعول به.

ثالثًا: الحركة الدفاعية الأنثوية

ينعطف النص فجأة نحو فعل مختلف:

أحكمت أزرة قميصها

هذا الفعل يحمل دلالات متعددة:

الإغلاق

الضبط

إعادة رسم الحدود

فإحكام الأزرار ليس مجرد حركة عابرة، بل إشارة رمزية إلى استعادة الخصوصية الجسدية والنفسية. وهنا تتشكل مفارقة حركية واضحة:

الحركة الذكورية

الحركة الأنثوية

انفتاح جسدي

انغلاق دفاعي

مبادرة

ضبط الحدود

هذه المفارقة تشكل المحور الدلالي للنص.

رابعًا: التضاد العاطفي

يقول النص:

ابتسم.. لكنها لم تبتسم

الابتسامة هنا ليست مجرد انفعال عاطفي، بل مؤشر تداولي لتقييم الحدث.

ابتسامته: تعبير عن رضا واكتمال فعل اللذة.

عدم ابتسامتها: صمت دلالي يشي بعدم الاعتراف بالفعل بوصفه فعلًا مشتركًا

يتجلى هنا اختلاف منظور الطرفين للحدث نفسه

خامسًا: انقلاب مركز الدلالة

تأتي الجملة الأخيرة بوصفها لحظة التحول الكبرى في النص:

وطلبت شيئًا من ريقه

ينتقل موقع الفعل هنا من الرجل إلى المرأة:

طلبت: انتقال من موقع المفعول إلى الفاعل.

شيئًا: نكرة تفيد الغموض والانفتاح الدلالي.

من ريقه: انعكاس رمزي للفعل الأول

فنحن أمام بنية انعكاسية واضحة:

البداية

النهاية

هو يأخذ

هي تطلب

ريقها

ريقه

استساغ

طلبت

غير أن هذا الطلب لا يأتي بوصفه استساغة مقابلة، بل فعلًا يحمل احتمالين دلاليين:

إما استعادة التوازن الرمزي في العلاقة، أو مفارقة ساخرة تعيد صياغة الحدث من منظور مختلف.

خاتمة القراءة:

تكشف هذه القصة القصيرة جدًا عن قدرة عالية على تكثيف الصراع الدلالي داخل عدد محدود من الجمل، حيث تتقاطع فيها حركتان متضادتان

مركزية الفعل الذكوري المبادر

والحركة الأنثوية التي تعيد رسم حدود الخصوصية

لكن المفارقة الأخيرة تفتح النص على أفق تأويلي أوسع، إذ لا تنتهي العلاقة بسيطرة طرف على آخر، بل بإعادة توزيع رمزي للسلطة داخل الفضاء السردي.

وهكذا ينجح النص في تحويل لحظة عابرة إلى بنية دلالية مكثفة تطرح أسئلة عن الرغبة، والخصوصية، وتوازن العلاقة بين الذات والآخر.