ترنيمة الغبار
جمال بربري – مصر:
لا ذاكرة في المدينة تسبقُ ميلاد قانونها.. يخرجُ الطفلُ من رحمِ العتمة مُتلفعًا بسوادٍ أصيل، خيطٌ من نسيج الجسد لا قماشٌ يُفصَّل
تهمسُ الأمُّ في أذنِ وليدها، كأنها تودعُه سرَّ الوجود: صُنْ سوادَك من خدشِ الضوء.. فالبياضُ ضريبةُ الاتساخ.
يستقرُّ القانونُ في الأذهان لغزًا مُقدسًا: بقدر ما تنغمسُ في كدِّ العرق، تدنو من طهارة البياض.. لكنَّ الخوفَ يبتدعُ التأويل؛ فيصمتُ الجمعُ عن المعنى، ويقدسون المظهر.. يلمعون سوادهم كل فجر، يتسابقون في صقله حتى يستحيلَ مرآةً صلبةً تعكسُ زيفهم. المدينةُ من علٍ، ليست إلا فصَّ ليلٍ رقدَ فوق التراب.
في زاويةٍ من المدينة، حيثُ تفوحُ رائحةُ الصبرِ المختمر، يقعُ مخبز جمال بربري.
المخبزُ هنا ليس مجرد مكانٍ لإنضاج العجين، بل هو محبرةٌ كبرى.
تنفسُ النيرانُ لهيبها في وجه السواد، وتنفضُ الأكياسُ غبارها الأبيض ليملأ المدى.
هناك، يقفُ جمال؛ معلقًا بين برزخين.. يدٌ تغوصُ في لُبّ العجين، تُروّضُ المادة، تمنحُ الفوضى شكلًا، وتنفخُ في الطحينِ حياةً تُؤكل.. ويدٌ أخرى، خفيةٌ ونافذة، تقبضُ على خيطِ الحكاية؛ تغزلُ من عرقِ العابرين قصصًا، ومن أنينِ النارِ استعاراتٍ لا تنطفئ
. يسكنه القلقُ النبيل، ويحوطُ قلبه بأسوار الحذر.. في البدء، يداري ثوبه الأسود من رذاذ الدقيق؛ يمسحُ كتفيه كلما لامسهما البياض، يخشى أن يفسدَ وقارَ السواد الذي تفرضه المدينة.. لكنَّ الغبارَ سيدُ النفاذ؛ يتسللُ عبر المسام، يغزو الكلمات، ويستوطنُ الفراغات بين أسطر قصصه.
يمرُّ الوقت، فيحدثُ الشقُّ الصغيرُ في جدار الرتابة.. يكفُّ جمال عن مسحِ كتفيه.. يتركُ الدقيقَ يكتبُ تاريخه فوق ثوبه.. طبقةً.. فطبقة. يمزجُ بين بياض الطحين ومداد الحكاية.
يرتدُّ إلى زحام المدينة، فتستقبله العيونُ بنصالِ الاشمئزاز:
– أيُّ شحوبٍ هذا الذي يرتديه الخبّاز؟- أهانت عليه هيبةُ ليله مقابل هذا الرماد؟
تخترقُ الهمساتُ سمعه كإبرٍ باردة، لكنَّ الألمَ يتلاشى. يحلُّ محله شعورٌ غريب بالانعتاق. كلما تراكمَ بياضُ العملِ فوقه، خفَّ وزنُ روحه.. كأنَّ ثقلًا أزليًا كان يشدُّه للقاع، وها هو الآن يتبخرُ مع بخار الخبز الساخن.
تشتدُّ حركةُ المخبز ذات فجرٍ صاخب. تنفجرُ أكياسُ الدقيق، ويستحيلُ المدى سحابةً قطنيةً تحجبُ اليقين.. يثبتُ جمال في قلبِ العاصفة البيضاء، لا يهرب، بل يشرعُ ذراعيه للغبار. يغمره البياضُ حتى يمحو ملامحه، حتى يستحيلَ هو نفسه رغيفًا يُنضجه نورُ الحقيقة.
يهدأُ ضجيجُ الخارج، ويبقى خفقُ القلبِ صدىً لصوتِ ارتطامِ العجين بالرخام.. يستسلمُ جمال لغبار الوقت المفتت، يعانقُ الفراغَ الذي صار ممتلئًا به.. في تلك اللحظة، يسقطُ الحدُّ الفاصلُ بين الجسدِ والقصة.
الدقيقُ هو الجلد، والجلدُ هو الورق تذوبُ (الأنا) الفردية لتصيرَ حكايةً كونية.. لا ينامُ جمال، بل يصحو في كينونةٍ أوسع؛ كينونةِ القاصِّ الذي أدرك أنَّ الحبرَ لا يكتبُ إلا على البياض، وأنَّ البياضَ لا يُنالُ إلا بالانغماس في غبار الحياة.
يدخلُ السوقَ في الصباح التالي، يمشي ببياضٍ حيّ، بياضٍ مُعمدٍ بعرقِ الكدح ونورِ الكلمة.. يصمتُ الناس. يتراجعُ الخائفون من عدوى النقاء
يهمسُ رجلٌ: تجاوزَ المسموح.. وتتمتمُ امرأة: سيوقظُ اللعنة.. لكنَّ طفلًا، يمسكُ رغيفًا دافئًا، يشدُّ طرفَ أمه: أمي.. لماذا يبدو الخبازُ كأنه قادمٌ من السماء؟
لا ينطقُ جمال بكلمة. لا يشرحُ قصةً لم تكتمل بعد. يسيرُ بهدوءِ من عثرَ على حبكةِ الوجود داخل صدره.
تعدي السكينةُ مَن حولها. كاتبٌ شاب يتركُ غبارَ الحبرِ يلطخُ أصابعه بفخر. عاملٌ يهجرُ مناديلَ الزيف ويحتفي بعرقه. المدينةُ السوداء تنبتُ فيها نقاطُ ضوء. يسألُ سائلٌ حكيمًا عن سرِّ هذا الخباز، فيجيبُ:
ظنوا الطهارةَ في صيانةِ السواد، واكتشفَ جمال أنَّ الطهارة في التلاشي بداخل المعنى.. الاتساخُ بالدقيق والعمل والصدق هو أبهى تجليات النقاء.. مَن يقفُ وسط ركامِ الأيام مُبتسمًا، ليس مهزومًا، بل هو امرؤٌ تصالحَ مع ذاته وصار هو الحكاية.
تستحيلُ المدينةُ، لأول مرة، رمادية. مدينةً لا تعرفُ حدةَ الأسود ولا زيفَ البياض المطلق، بل تتعلمُ أنَّ النورَ لا يشرقُ من العزلة، بل يولدُ من احتكاكِ الروحِ بالخبزِ والكلمة.