آخر الأخبار

أفول شمس التراث الشعبي في الولاية الشمالية(2-2)

  • الهجرة الداخلية والخارجية أقسى الضربات التي تلقاها التراث
  • غابت أصوات الأغنيات الشعبية من قرى الشمالية التي كانت تغنى على إيقاع الطمبور والدليب
  • رغم غني التراث في الشمالية إلا أن حضور الإعلام كان ضعيفا وموسميا وغالبا إحتفاليا
  • ماذا تعرف عن (الحاحاية) وعن الكوب المصنوع من قرن الخرتيت؟
  • الرحط والفركة والقرمصيص.. مقتنيات لا تقدر بثمن تآكلت ولا توجد إلا في ذاكرة الكبار

حسينارتي ــ عادل الحاج:
في القرى الممتدة على ضفاف النيل بالشمالية، لم يعد المساء كما كان.. غابت أصوات الأغنيات الشعبية التي كانت تُغنّى على إيقاع الطمبور والدليب، وتوارى الزيّ التقليدي خلف أقمشة وافدة، وتحوّلت اللغة التي كانت تُحكى في المجالس إلى همسٍ متقطّع بين كبار السن.. هنا، لا يموت التراث فجأة، بل يذبل ببطء… كما تذبل نخلة تُركت بلا ماء.. هذا التحقيق يحاول تتبّع ملامح أفول التراث الشعبي في الشمالية، لا بوصفه حنيناً رومانسياً للماضي، بل باعتباره سؤالاً جوهرياً عن الهوية، والذاكرة، والقطيعة بين الأجيال.
العادات والتقاليد:


اما طقوس الزواج، والختان، والمآتم، فكانت مناسبات لتماسك المجتمع، لكنها اليوم اختُزلت هذه الطقوس تحت ضغط الاقتصاد، والسرعة، وتغيّر القيم.. لم تعد العادة تُمارَس لأنها تعبير عن معنى، بل لأنها (واجب اجتماعي)، ما أفقدها روحها وحوّلها إلى شكل بلا مضمون.. فالهجرة الداخلية والخارجية كانت من أقسى الضربات التي تلقاها التراث، فالمتجول في القرى يجد قرى كاملة باتت شبه خالية من الشباب، وأصبح كبار السن وحدهم حَمَلة الذاكرة، دون من يسلّمونهم الراية.. او كما قال لي أحد الباحثين في التراث بالولاية الشمالية: الهجرة لا تنقل الأجساد فقط، بل تقطع سلاسل التوارث الثقافي.
غياب الإعلام:
رغم غنى التراث في الشمالية، إلا أن حضور الإعلام كان ضعيفاً، وموسمياً، وغالبًا إحتفالياُ، حيث لا تتوفر ولا توجد مشاريع توثيق جادة، ولا أرشفة منهجية، ولا سياسات واضحة لحماية تراثنا الشعبي القديم، وفي ظل هذا الغياب، تُترك الذاكرة لمبادرات فردية، غالبًا ما تنطفئ بمرور الوقت.
إستثمار المدرسة:
كان يمكن للمدرسة أن تكون الجسر بين الماضي والحاضر، لكن المناهج تخلو تقريبًاً من التراث المحلي، لذا ينشأ الطلاب وهم يعرفون ثقافات بعيدة، ويجهلون تفاصيل قراهم، فإدماج التراث في التعليم ليس ترفاً، بل حماية للهوية.
مبادرات شبابية:
رغم المشهد القاتم، تظهر مبادرات شبابية، وصفحات رقمية، وباحثون مستقلون، يحاولون توثيق الأغاني، والحكايات، والصور القديمة، لكن هذه الجهود تظل محدودة التأثير، لغياب الدعم المؤسسي، ولعدم وجود مظلة جامعة.. فالتراث كقيمة إقتصادية مُهدرة، فالتراث ليس عبثاً، بل يمكن أن يكون مورداً إقتصادياً عبر السياحة الثقافية، والصناعات اليدوية، والمهرجانات المحلية.. لكن غياب التخطيط حوّل هذا الكنز إلى فرصة ضائعة، في وقت تبحث فيه المجتمعات عن بدائل اقتصادية.
وفي الختام هناك عدد من الأسئلة تحتاج لأجوبة:
هل نرث النسيان أم نصنع الذاكرة؟ هل نحب تراثنا؟.. بل ، ماذا نفعل لحمايته؟
فأفول التراث الشعبي في الشمالية ليس قدراً محتوماً، فهل هو نتيجة إهمال، وقطيعة غير معلنة؟.. السؤال لم يعد: هل نحب تراثنا؟، بل: ماذا نفعل لحمايته؟.. فالتراث لا يعيش في المتاحف، بل في الناس.. وإن لم نمدّ له يدنا اليوم، فغداً سنبحث عنه فلا نجده.. فماذا نفعل؟.
الهوليقا.. الحاحاية:


من تراثنا الشعبي العريق في الولاية الشمالية بالسودان والذي اندثر تماماً ما كان يُعرف بـ(الهوليقا) أو(الحاحاية)، وهي عبارة عن عريشة عالية تُقام وسط الحقول الزراعية، وغالباً ما تتكون من طابقين، وتُشيَّد من الأعمدة الخشبية والحبال المصنوعة من نبات الحلفا وسعف النخيل، فكانت تُعد وسيلة تقليدية ذكية لحماية المحاصيل من الطيور التي تتهافت على الحبوب قبيل موسم الحصاد، مثل القمح والذرة الرفيعة.. وتؤدي الهوليقا دور برج مراقبة ريفي إذ يجلس فوقها أحد المزارعين أو الصبية ليراقب الحقول الممتدة حوله.
ومع بداية نضج السنابل وإمتلاء الحبوب، تُنصب على أطراف المزرعة أعمدة خشبية تمتد بينها حبال طويلة، تُربط بها علب معدنية صغيرة بداخلها حصى، تُعرف محلياً بإسم (الكشكوش)، وعندما يقوم الجالس على الهوليقا بتحريك تلك الحبال، تصدر العلب المعدنية أصواتاً متلاحقة وقوية تتردد في أرجاء الحقل، فتفزع الطيور وتفر مبتعدة عن المحصول، فهكذا كانت هذه الحيلة البسيطة، القائمة على خبرة المزارعين وإبتكارهم، تشكّل نظام إنذار صوتياً فعالاً يحمي الغلال حتى يحين موعد الحصاد.
وتبقى الهوليقا او الحاحاية شاهداً على ذكاء الإنسان الريفي وارتباطه الوثيق بأرضه، كما تعكس جانباً من التراث الزراعي الجميل والقديم والذي ميّز حياة أهل منحنى النيل في الولاية الشمالية في تلك الحقبة من الزمن.
من بين المقتنيات الأثرية القديمة التي ورثتها أسرتي عن جدتي، والدة والدي، كانت هناك قطع تعبّر بصدق عن ذاكرة البيت السوداني وذائقته الجمالية؛ ملاعق وحُجول (خلخال) وعلب صغيرة مصنوعة من الفضة الخالصة، احتفظت ببريقها رغم تعاقب السنين. غير أنّ هذه الكنوز، للأسف الشديد، نُهبت على أيدي مليشيا الجنجويد حينما سطوا على منزلي المتواضع في ضاحية أبو آدم جنوبي الخرطوم، في مشهد لم يكن استثناءً، بل طال معظم منازل ذلك الحي العاصمي العريق.
كوب الخرتيت:
ومن بين تلك المقتنيات أيضًا، كوبٌ مخروطيّ الشكل مصنوع من (الخِرتيت)، أي من قرن حيوان وحيد القرن، وهو من الأدوات التي كانت تحظى بمكانة خاصة في الموروث الشعبي القديم، فقد جرى إستخدام هذا الكوب، بحسب ما توارثته الأجيال، في درء مخاطر التسمم الناتج عن تناول الأطعمة الفاسدة، وكانت الطريقة المتّبعة تقوم على وضع قليل من الماء داخل الكوب، ثم تحريكه بملعقة قبل أن يُشرب للمصاب، اعتقادًا بأنه يساعد على إستخراج السموم وإستفراغ ما علق بالمعدة،
ويمثل هذا الكوب، بما يحمله من دلالات، شاهدًا على بساطة الطب الشعبي وعمق التجربة الإنسانية لدى الأسلاف، حين كانت الوسائل التقليدية تسدّ فراغ غياب الطب الحديث، وتعكس في الوقت ذاته إيمان المجتمع بقيمة ما وفرته له الطبيعة من أدوات للعلاج والحماية
ولم تقتصر تركة جدتي ــ طيب الله ثراها ــ على المصوغات الفضية فحسب، بل خلّفت أيضًا مجموعة من المشغولات اليدوية التي تحمل بصمات الأنامل ودفء الذاكرة، مثل (البروش) المصنوعة من سعف النخيل، و(المباخر) المستخدمة في إشعال البخور، و(المكاحل) التي ما زال بعض كبار السن يستعملونها إلى يومنا هذا لتكحيل العيون بالكحل، الذي كان يُجلب غالبًا من الأراضي المقدسة، وتحديدًا من مكة المكرمة.
وإلى جانب ذلك، إحتوت (التركة التراثية) على أدوات وملابس كانت شائعة الإستعمال لدى جداتنا قبل أكثر من مائة عام، من بينها (الرَّحَط) المصنوع من جلد الماعز، و(الفِركة) القطنية، و(القرمصيص) المصنوع هو الآخر من القطن والمُحلّى بخيوط الحرير، وأباريق الوضوء المصنوعة من الفضة والتي حلت محلها الأباريق المصنوعة من البلاستيك.. مقتنيات تراثية لا تُقدَّر بثمن، لا لقيمتها المادية فحسب، بل لما تختزنه من تاريخ اجتماعي وثقافي، ولما تمثّله من شواهد حيّة على أسلوب حياةٍ سودانيٍ أصيل، تعرّضت للأسف ــ مثل غيرها ــ للنهب والضياع.