آخر الأخبار

عودة الطوابير و«السوق السوداء».. الوقود يرهق السودانيين مجددًا

في شوارع الخرطوم ومدن سودانية أخرى، تكررت مشاهد طوابير المركبات أمام محطات الوقود، مذكّرةً السودانيين بعمق الأزمة التي تعصف بأسعار الطاقة عالميًا.

 

يعود جزء من الضغوط السعرية إلى ارتفاع تكاليف النفط العالمية، لكن السبب الأساسي يكمن في ضعف التوزيع والرقابة المحلية وظهور السوق السوداء.

 

وثّقت مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد متكررة للأزمة الخانقة، فيما يتزايد القلق من تأثيرها المباشر على الحياة اليومية والاقتصاد الهش.

 

الخرطوم تحت وطأة الأزمة

أفاد مواطنون من الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان “العربية.نت” بتصاعد أزمة الوقود خلال اليومين الماضيين.

 

وأشاروا إلى أنهم يقضون ساعات طويلة في الانتظار أمام محطات التزود بالوقود، في ظل ارتفاع الأسعار في السوق السوداء إلى مستويات غير مسبوقة، مما يجعل تأمين احتياجاتهم اليومية صعبًا.

 

قال أحد سائقي سيارات الأجرة: “نقضي ساعات أمام المحطات، والأسعار في السوق السوداء جعلتنا عاجزين عن تأمين البنزين لأيام”.

 

في أم درمان، شهدت المدينة عودة طوابير السيارات أمام محطات التزود بالوقود، بالتزامن مع انتشار واسع للسوق السوداء ووصول أسعار البنزين إلى مستويات غير مسبوقة.

 

تعكس هذه الزيادات اتساع موجة الأزمة لتشمل ولايات عديدة، مع تفاوت كبير بين الأسعار الرسمية وغير الرسمية.

 

وفقًا لمصادر متطابقة لـ”العربية.نت”، بلغ سعر جالون البنزين في السوق السوداء 30 ألف جنيه سوداني (حوالي 8.11 دولار).

 

وسجلت مناطق التعدين الأهلي للذهب ارتفاعًا في سعر الغازولين، حيث وصل سعر عبوة الوقود، سعة 4 جالونات، إلى 175 ألف جنيه سوداني (حوالي 50 دولارًا). ارتفع سعر جالون البنزين من 18 ألف جنيه (4.86 دولار) قبل أقل من أسبوع إلى 20,547 جنيه (5.55 دولار) في مدينة أم درمان، بزيادة تقارب 14%.

 

في ولاية نهر النيل شمالي السودان، ارتفع سعر جالون البنزين في مدينة عطبرة إلى 20,547 جنيه سوداني (حوالي 5.55 دولار)، بزيادة تقارب 14% خلال أيام قليلة.

 

وبلغ سعر أسطوانة الغاز 78 ألف جنيه سوداني (حوالي 21.08 دولار)، وسط تحذيرات السلطات المحلية لوكلاء الغاز بفرض غرامة تصل إلى مليون جنيه وسحب الترخيص في حال التلاعب بالأسعار.

 

كما تشهد مدينة الدامر، حاضرة ولاية نهر النيل، ندرة شديدة في الوقود منذ صباح الثلاثاء، وسط طوابير طويلة من السيارات أمام محطات التزود. يوضح ذلك أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الخرطوم أو بورتسودان، بل امتدت لتشمل مدنًا أخرى.

 

ولم تنج مدن شرق السودان من براثن الأزمة المستفحلة، حيث ارتفع سعر جالون البنزين في مدينة كسلا إلى 22,500 جنيه سوداني (حوالي 6.08 دولار).

 

وزير الطاقة: الإمدادات مستقرة

قال وزير الطاقة والنفط السوداني إن البلاد تمتلك احتياطيات تكفي لمدة 16 يومًا من البنزين، و21 يومًا من الجازولين، و17 يومًا من وقود الطائرات. يوجد 4 بواخر بنزين بحمولة 155 ألف طن و2 ناقلة جاز أويل في الانتظار.

 

أوضح الوزير في مؤتمر صحافي الثلاثاء أن معظم الإمدادات لا تأتي من الخليج، بل عبر البحر الأحمر والمتوسط والأسود. التوترات العالمية تؤثر على السودان من ناحية تكلفة الاستيراد وأسعار السوق، وليس على توفر الوقود المحلي مباشرة.

 

أفادت مصادر رسمية لـ “العربية.نت” أن الاضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاع مستويات المخاطر، وزيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين، أسفرت عن قفزة كبيرة في أسعار البترول الخام والمنتجات البترولية عالميًا. وهي مستويات لم تشهدها أسواق الطاقة منذ سنوات.

 

تشير التقارير الإعلامية إلى أن الملاحة عبر مضيق هرمز تمثل شريانًا حيويًا للطاقة العالمية. أي اضطراب فيها يترجم فورًا إلى ارتفاع أسعار النفط، وزيادة كلفة الشحن والتأمين، وانعكاسات مباشرة على الوقود والسلع الأساسية في معظم دول المنطقة، بما فيها السودان.

 

التناقض بين الوفرة والفوضى في السوق

رغم تصريحات الوزير المطمئنة بوجود احتياطي كافٍ من الوقود، يشير الواقع الميداني إلى فجوة كبيرة بين الاحتياطي الرسمي والتوافر الفعلي للمواطنين.

 

استمرار الطوابير الطويلة، وارتفاع أسعار السوق السوداء، وندرة الوقود في المدن الكبرى مثل الخرطوم وأم درمان وكسلا والدامر، يعكس ضعف الرقابة على التوزيع وغياب الآليات التي تضمن وصول المواد البترولية بأسعار معقولة لجميع المواطنين. يوضح هذا التناقض أن الأزمة ليست في الإمداد، بل في إدارة السوق وضبط الأسعار والتوزيع الفعلي.

 

يخشى المواطنون أن تؤدي الزيادات الأخيرة إلى موجة ارتفاع إضافية في أسعار السلع والخدمات وقطاع المواصلات، خاصة في المدن التي تعتمد على النقل البري في حركة الأسواق والبضائع.

 

وقد تتأثر المستشفيات والمدارس وشحن البضائع بالازدحام والتأخير، وسط مطالبات متكررة بتشديد الرقابة على الأسواق لضبط الأسعار.

 

تمتلك السودان احتياطيات تكفي لأسابيع، لكن الانعدام الفعلي للوقود في الشوارع وارتفاع الأسعار يوضح هشاشة الأسواق المحلية وقدرة الأزمات العالمية على التأثير على تكاليف الاستيراد والأسعار المحلية. مع استمرار السوق السوداء وارتفاع الدولار مقابل الجنيه، يبقى السؤال: هل ستنجح الحكومة في إدارة معركة الأسعار قبل أن تتفاقم الأزمة، وتتحول الحياة اليومية إلى معيشة شديدة الصعوبة؟