آثار السودان بين الإهمال الرسمي وجرافات الدهابة (1)
- من هؤلاء.. دهابة ام لصوص آثار؟
- إعتداءات صارخة على مواقع أثرية ذات قيمة حضارية وتاريخية كبيرة
- المواقع الأثرية.. مشهد فوضوي يختلط فيه الطمع بالجهل والإهمال
- هرم النصراني.. تحول إلى أنقاض مخلفا غضبا مكتوما وسط سكان منطقة امبكول
- علماء آثار: قدرات الحماية المتاحة للآثار تصطدم يضعف الإمكانات المالية والبشرية
حسينارتي – عادل الحاج:
في صمت الصحراء الممتدة شمال السودان، حيث تتناثر بقايا حضارات ضاربة في عمق التاريخ، يقف الماضي شاهداً على مجدٍ عظيمٍ صنعته حضارات كوش ونبتة ومروي.. غير أن هذا الصمت لم يعد هادئاً كما كان فقد باتت معاول التنقيب العشوائي عن الذهب، وصوت محركات الآليات الثقيلة، تقطع سكون تلك المواقع الأثرية في مشهد يختلط فيه الطمع بالجهل والإهمال.. وبينما يفترض أن تكون هذه المواقع تحت حماية ورعاية الجهات المختصة، يزداد القلق من أن تاريخ السودان العريق يتعرض اليوم لتهديد حقيقي قد يؤدي إلى ضياع جزء مهم من ذاكرة الأمة.. ويُعد السودان من أغنى دول العالم بالمواقع الأثرية، إذ تنتشر على أراضيه آلاف المواقع التي تعود إلى حضارات قديمة امتدت لآلاف السنين.. وتشير تقديرات الباحثين إلى أن كثيراً من هذه المواقع لم تُكتشف بعد، فيما تعاني مواقع أخرى من غياب الحماية الكافية أو التوثيق العلمي.. التحقيق التالي يناقش هذه القضية من مناطق الآثار بالولاية الشمالية.
اهرامات البجراوية:
من أهم المواقع الأثرية في الولايتين الشمالية ونهر النيل أهرامات البجراوية، وجبل البركل، ونوري، والكرو، وصنم أبو دوم، وموقع النقعة، والمصورات الصفراء، إلى جانب عدد كبير من المدافن والمعابد والمستوطنات القديمة المنتشرة على امتداد ضفتي نهر النيل.. وتُعد منطقة جبل البركل من أبرز المواقع الأثرية في السودان، إذ كانت مركزاً دينياً وسياسياً مهماً في عهد الممالك النوبية القديمة، وتضم معابد ومقابر ملكية تعود إلى مملكة نبتة.. كما تشتهر منطقة أهرامات البجراوية، التي تضم أهرامات ملوك وملكات مملكة مروي، حيث تعد من أكبر تجمعات الأهرامات في العالم، وهي شاهد على ازدهار الحضارة الكوشية في السودان.
مقابر كوش:
ومن المواقع المهمة أيضاً مقابر ملوك كوش في أهرامات نوري، حيث دُفن عدد من ملوك الأسرة الخامسة والعشرين، ومن أبرزهم الملك الشهير تهارقا.. كذلك تضم المنطقة مقابر ملكية في الكرو، التي تعد من أقدم المقابر الملكية لمملكة نبتة، إضافة إلى معابد ومبانٍ أثرية في النقعة والمصورات الصفراء، وهما من أبرز مواقع الحضارة المروية وتتميزان بمعابد ضخمة ونقوش حجرية فريدة.. وتعكس هذه المواقع الأثرية العظيمة تاريخاً حضارياً عريقاً يمتد لآلاف السنين، ما يجعل حمايتها والحفاظ عليها مسؤولية وطنية كبيرة لضمان بقاء هذا الإرث الإنساني للأجيال القادمة.
هرم النصراني:
على ضفاف النيل الخالد، وفي العقبة الواقعة بين قريتي حسينارتي شرقاً وأمبكول غرباً بالولاية الشمالية، كان يقف هرم (قبّة النصراني) شامخاً منذ مئات السنين، كأنه شاهد صامت على تعاقب الحضارات التي مرت بهذه الأرض، هرمٌ صغير في مساحته ـ لا تتجاوز قاعدته نحو تسعة أمتار مربعة ـ لكنه كبير في رمزيته التاريخية، ظل راسخاً في ذاكرة المكان وأعين الأهالي جيلاً بعد جيل.. غير أن هذا المعلم الأثري بدأ يتلاشى قبل سنوات قليلة في ظروف غامضة، وذلك بين عشية وضحاها تحت معاول التنقيب الأهلي العشوائي الباحث عن الذهب فلم يتبق منه إلا انقاضه، تاركاً خلفه فراغاً موجعاً وغضباً مكتوماً بين سكان المنطقة.. والأدهى من ذلك أن هذا الموقع الأثري القديم لم يحظَ يوماً بحراسة أو حماية من الجهات المختصة في الولاية الشمالية، ولم يُحَط حتى بسياج بسيط منذ أن وعى الناس تاريخهم في تلك البقاع.. وهنا تبرز أسئلة ملحّة تطرق أبواب الضمير قبل المؤسسات: لماذا تُترك آثارنا نهباً وضحية للإهمال والعبث؟.. وكيف يمكن إنقاذ ما تبقى من شواهد حضارتنا من معاول (الدهابة) والتعدين العشوائي الذي يهدد ذاكرة البلاد؟.
ومع اتساع رقعة البلاد وصعوبة الوصول إلى كثير من المناطق الأثرية، أصبحت تلك المواقع عرضة للإهمال والتعدي، ففي مناطق عديدة من الولاية الشمالية ونهر النيل ودارفور وشرق السودان، تنتشر بقايا مدن ومعابد ومدافن قديمة، لكن كثيراً منها يفتقر إلى أبسط وسائل الحماية مثل الأسوار أو الحراسة الدائمة.. ويرى مختصون ومسؤولون في علم الآثار: أن ضعف الإمكانات المالية والبشرية للجهات المختصة بالآثار في السودان أسهم بشكل مباشر في تفاقم المشكلة، إذ لا تتناسب قدرات الحماية المتاحة مع حجم التراث الأثري الهائل الذي تزخر به البلاد.
البحث عن الذهب:
مع تزايد حمى التنقيب عن الذهب في السودان خلال السنوات الأخيرة، تحولت بعض المناطق الأثرية إلى ساحات مفتوحة لعمليات الحفر والتنقيب العشوائي، ويقول سكان محليون في مناطق شمال البلاد، إن مجموعات من المنقبين، المعروفين شعبياً باسم (الدهابة)، يقومون أحياناً بحفر التلال الأثرية أو المدافن القديمة بحثاً عن الذهب أو الكنوز المدفونة.. وفي بعض الحالات، لا يدرك هؤلاء المنقبون القيمة التاريخية لما يقومون بتدميره، إذ ينظرون إلى تلك المواقع على أنها مجرد تلال من الرمال أو الأحجار قد تخفي تحتها معادن ثمينة، لكن الحقيقة أن كثيراً من هذه التلال ليست سوى بقايا مواقع أثرية أو مدافن تعود إلى آلاف السنين.
يقول المستثمر في مجال التنقيب عن الذهب وفق الضوابط الحكومية والقانونية، أمير محمد شريف، إن العمل في هذا القطاع الحيوي والهام، يشكل أحد أعمدة الإقتصاد في السودان، ليس بالمهمة السهلة كما قد يتصور البعض، بل يتطلب رأس مال كبيراً وتجهيزات ثقيلة مكلفة.. ويوضح، أن عمليات التنقيب المنظم تحتاج إلى آليات ضخمة مثل (اللودر) الذي يناهز سعره نحو 280 مليون جنيه سوداني، إضافة إلى (الحفار) أو ما يعرف بـ(البوكلن) الذي قد تصل قيمته إلى نحو 600 مليون جنيه، فضلاً عن بقية المعدات والوقود وتكاليف التشغيل.. ويضيف
العمل في الصحراء يتطلب جهداً وصبراً ووقتاً طويلاً قبل الوصول إلى نتائج، فالرزق في النهاية بيد الله وحده، فهو المعطي والرزاق الكريم.. لكنني أبدى في المقابل أسفي الشديد بظاهرة التنقيب العشوائي، فلقد شاهدت مرارا وتكرارا خلال تنقلاتي في الصحاري والوديان أشخاصاً ينبشون الأرض داخل مواقع أثرية بحثاً عن الذهب بصورة عشوائية ومؤسفة.. وهذا يمثل اعتداءً صارخاً على مواقع تراثية ذات قيمة حضارية وتاريخية كبيرة، وعبر صحيفتكم (أصداء سودانية) أدعو هؤلاء إلى تقوى الله في هذا الإرث الحضاري الكبير والذي لا يخص جيلاً بعينه، بل يمثل ملكاً للدولة