الوداع الأخير
ضرغام الهاشمي – العراق:
حدث ذات مرة.. زفافٌ لإحدى فتيات المنطقة، حيث أصوات الموسيقى تملأ عنان السماء، والزغاريد تتردد أصداؤها في الأرجاء. كان الجو مشمساً، والرياح رخاءً خفيفة، البشر من حولها غارقون في غبطتهم.. إلا هو.
كان هناك، شخصٌ وحيدٌ يرقبُ المشهد من خلف نافذة غرفته الضيقة. كان كاتبًا، ومن طينة أولئك الذين يعشقون بالحواس؛ لا يدخل قلبه أحد، ولكن إن أحب، أحب بكيانه كله. والمأساة.. أن العروس التي يُحتفل بها في الخارج، لم تكن سوى حبيبة فؤاده.
لم يطق صمتاً، فبدأ الكاتب بالكلام، لكنه لم يكن كلام اللسان، بل لغة الكتابة. نطق الكثير، لا من فمه، بل من غياهب قلبه. وفي تلك اللحظة، صار جو الغرفة مرعباً؛ غابت الشمس من سمائه الخاصة، وهبت رياحٌ عاتية داخل غرفته كأنها تقتلع النخيل من جذوره، وكأنّ الموت قد ضرب موعده الأخير مع روحه.
مسك قلمه وخطّ بعض الكلمات بمرارة:
يَمضي جسدي نحوَ مَقبرته، وفي يدي فؤادٌ يَعصرُ مِحبرته. أكتبُ إليكِ رسالتي الأخيرة، والدموعُ من عينيّ كالمزنِ مُمطرة. ألا ليتكِ تُبصرينَ قلباً فطرهُ الوجد، وليتَ الزمان يُريني حُسنكِ ليُريحَ عيناً غَدت غيمةً يتيمة. ليتني كنتُ على الأيام قوياً، فأحتشدُ بمن يُشبهكِ.. ولكن وا أسفاه، هل للحُسنِ كفؤٌ يشبهكِ؟ وهل في السماءِ بدرٌ غيركِ؟ وهل في الأرضِ عاشقٌ ضاهى جُنوني؟
أتعقدينَ قِرانكِ على رجلٍ يناديكِ باسمكِ، وتتركين مَن يناديكِ بآياتِ العشقِ ويعشقكِ بروحه؟ جعلتكِ شريكةَ العُمر، ووحيدةَ الروح، وجعلتِني غريباً بين الخلائق! الآن.. سأحول هذا القلم الذي طالما كتب لك الكثير من الأشياء الجميلة , إلى رمح مكسور , سأغرسه في صدري، لأقتلَ حُبّاً قتَلني مسبقاً. سأترككِ للدنيا، فلا نصيبَ لي منكِ فيها، فقد ادّخرتُ اختياري لكِ إلى الآخرة. سيذهبُ جسدي محمولاً إلى ثراه، ويظلُّ قلبي أسيراً في رأسِ القلم، وتصعدُ روحي للسماءِ لتُخبرَ الملائكةَ عن سِحرِ حُسنكِ..عن قهقهاتك.. عن طعم القهوة في فمي
وبينما كانت هي توقّع قِرانها على رجلٍ
في ضوء الشمس، كان هو داخل غرفته التي لم تشرق فيها الحب مجددا؛ لتُعلنَ النوارس التي تحلق قرب المدافئ.. أن الموتَ لا يحتاج دائماً إلى قبر، بل يكفيه أحياناً.. ورقةٌ بيضاء ودمعة حزن تنزل من دون ضجيج.