آخر الأخبار

إلى السادة (حضرات المسؤولين).. هل صحيح (كاد المعلم ان يكون رسولا)؟

معلم يعمل في درداقة لتوفير ثمن وجبة (ويكة) لأطفاله

في الوقت الذي تنفذ فيه الدولة اللبنات الأولى لموازنة عام 2026، يبرز تساؤل جوهري حول فلسفة الأجور في السودان، هل تُبنى الرواتب على أساس القيمة الإنتاجية والمؤهل العلمي والأقدمية، أم على أساس تقديرات آنية تفرضها ظروف الحروب؟.. إن المقارنة بين واقع المعلم وواقع رصيفه في المجالات الأخرى ليست محاولة للتقليل من شأن أحد، بل هي دعوة للمسؤولين لإعادة النظر في صمام أمان المجتمع: المعلم

عند استعراض البيانات المالية الأخيرة لزيادات الرواتب في فبراير ومارس 2026، نجد مفارقات تستوجب التوقف الطويل:

ــ معلم الدرجة الأولى (خدمة 40 سنة): يتقاضى ما بين 170 إلى 220 ألف جنيه.

ــ معلم الدرجة التاسعة (بكالوريوس): يتقاضى 58,000 جنيه.

ــ تحتاج الأسرة السودانية لـ 1.6 مليون جنيه شهرياً، فيجد المعلم نفسه أمام عجز يتجاوز الـ 90% من إحتياجاته الأساسية.

هناك قصص مؤلمة من واقع (الطباشير والوجع) من أرض الواقع فخلف هذه الأرقام الجامدة، توجد حكايات تدمي القلب لمعلمين أصبحوا غرباء في وطن علموا أبناءه الحب والوفاء.. كمثال لها:

ــ الأستاذ محمد والدرداقة: يحكي معلم لغة عربية قضى 20 عاماً في التدريس، كيف تحولت حياته بعد انهيار القوة الشرائية، يقول بمرارة: لم أعد أستطيع النظر في عيون أبنائي حين يطلبون ثمن الرغيف فاضطرت للعمل مساءً على عربة يدوية (درداقة) لنقل الخضروات، لأوفر ثمن “ملاح (الويكة) لأسرتي

ــ الأستاذة مريم، وصراع الدواء، تحكي ماساتها: انا معلمة مرحلة ابتدائية، نازحة في ولاية الجزيرة، أعاني من السكري، وجدت نفسي في مواجهة خياراً مستحيلاً: إما شراء الأنسولين أو دفع إيجار الغرفة المتهالكة التي أعيش داخلها.. راتبي الشهري لا يكفي لشراء شريط واحد من الدواء، وأعتمد اليوم على (مصاريف خجولة) يرسلها لي بعض طلابي القدامى.

ــ الأستاذ أحمد، يقيم بإحدى مراكز الإيواء: معلم فيزياء متميز بمدينة بورتسودان، يفترش الأرض مع النازحين فقد منزله ومكتبته، لكن وجعه الأكبر هو (الانكسار)، حين وقف في طوابير الإغاثة ليتلقى كرتونة زيت وعدس من أحد طلابه السابقين.

أخيرا.. رسالة إلى المسؤولين: الإستثمار في المعلم ليس ترفا بل هو أمن وتامين لمستقبل الأجيال القادمة.. إننا نوجه هذه الرسالة إلى (حضرات المسؤولين) القائمين على أمر الموازنة والقرار في الدولة.. هذا هو الواقع الذي يعيشهُ المُعلِّمُ في سودان اليوم، نتاجٌ طبيعي للحرب العبثية التي تدورُ رُحاها الأن.. إن ما يعيشه المعلم اليوم من واقع مؤذ وقبيح سينعكس بلا شك على العملية التربوية التعليمية في الوطن الحبيب، وهو الخراب والضياع.

مصباح محمد صالح- مُعلم بالمعاش