آخر الأخبار

أهو كلام والسلام.. بنك السودان وتمويل القطاعات

 

فؤاد قبّاني

*في بداية التسعينات من القرن الماضي، حين ارتفع الشعار: (نأكل مما نزرع)، أصدر بنك السودان قرارًا بدعم البنوك للقطاع الزراعي، وخاصة القطاع المطري. لكن التنفيذ تم بلا دراسة كافية، فكانت النتيجة إهدارًا للمال العام؛ إذ استلم كثير من المزارعين التمويل دون أن يزرعوا، وبعضهم هاجر به. وتحولت الفكرة من مبادرة واعدة إلى مهزلة، لأن وزارة الزراعة لم تكن طرفًا أصيلًا في التخطيط والتنفيذ، ولم تُسبق الخطوة بدراسة علمية جادة.

*اليوم، من الجيد أن يأتي بنك السودان بسياسات تمويلية جديدة، وأن يرفع سقوف التمويل في الظروف العادية للقطاع الصناعي والمشروعات الصغيرة. لكن اللافت أنه لم يذكر القطاع الحرفي، وأعني به الورش الصناعية، التي يُفترض أن تلعب الدور الأساسي في الإعمار: من صيانة المصانع وإعادتها للعمل، إلى احتياجات المنازل من أبواب وشبابيك وأثاث، وصولًا إلى المدارس التي تحتاج إلى الإجلاس، وقِس على ذلك الكثير.

*في الظروف الطبيعية، قد يكفي التمويل المحدد لزيادة معدّة صغيرة، لكن الواقع الآن مختلف؛ فالورش نُهبت عن آخرها، وأصبحت أثرًا بعد عين. وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن إنقاذ هذا القطاع الحيوي؟ لأن الإجابة ببساطة: من دونه لا إصلاح ولا إعمار.

 

*وقبل الإجابة، لا بد من التذكير بأن بنك السودان كان قد حدد في وقت سابق نسبة 12% من محافظ البنوك لدعم القطاع الحرفي. فهل تم تنفيذ ذلك؟ الواقع يقول: لا، حتى في البنوك المتخصصة التي كان يُفترض أن تكون الحاضن الطبيعي للصناعات الصغيرة.

*إن أول الطريق هو تحديد الاحتياجات الحقيقية لهذا القطاع. فالحديث عن تمويل في حدود 9 ملايين (أي أقل من 3000 دولار) لا يكفي حتى لشراء مخرطة صغيرة، فضلًا عن معدات مسابك لصهر المعادن الخفيفة كالحديد الظهر والنحاس والألمنيوم.

*ثم تأتي الخطوة الأهم: إنشاء محفظة تمويلية متخصصة لدعم الصناعات الصغيرة والورش، إذا أردنا نهضة حقيقية. وهنا يجب أن يلعب البنك الصناعي دوره كاملًا، كقائد لهذا القطاع، تمامًا كما يفعل البنك الزراعي مع المزارعين.

*كما أن التمويل لا يجب أن يكون موحدًا في شروطه؛ فالقطاعات تختلف. في الزراعة، قد يعود العائد خلال موسم واحد، أما في الورش والصناعات الصغيرة فأنت تموّل أصولًا ثابتة تحتاج إلى فترة سماح وأقساط مريحة، إذا كنا جادين في تطوير هذا القطاع وحمايته.

*تبقى الأسئلة الكبرى.. هل أوضاع البنوك الحالية تسمح بهذا الدور؟ وهل استطاعت استرداد ديونها السابقة؟

*الإجابة تقودنا إلى حقيقة أخرى: البنوك نفسها تحتاج إلى دعم وإعادة هيكلة، حتى تتمكن من القيام بدورها في الشمول المالي والتمويل والتنمية.

 

*لقد ألقى بنك السودان بهذا القرار حجرًا في مياه الركود الراكدة، وعلينا جميعًا أن نُسهم، كلٌّ في مجاله، للخروج إلى بر الأمان.

*أنا على ثقة أنه إذا تكاتفنا، وأخلصنا النية، سنصل بالبلاد إلى بر الأمان

فاستوووا يرحمكم الله