
كواليس صراع النخب والشباب.. حديث على مائدة حرب الكرامة (2)
عمرو خان
*في سياقات الدنيا، والحوارات التي تجبرك الظروف على خوضها، والمعارك التي تدفعك لمواجهة طواحين الهواء، وجدتُ نفسي في مساء رمضاني على مائدة إفطار لم أخطط لها، لكنّها بدت كأنها جزء من مسارٍ أكبر من مجرد دعوة عابرة.
*كنت قد ذكرت في الحلقة السابقة أن صديقي الخمسيني دعاني إلى الإفطار، وأنني ظننت أنه يعرف الشاب العشريني الذي انضم إلينا. غير أن الدقائق الأولى كشفت حقيقة غريبة: نحن ثلاثة غرباء على مائدة واحدة، يجمعنا ظرف واحد اسمه حرب الكرامة.
*وصل الشاب في الموعد تقريبًا، واستقبله الرجل الخمسيني بترحاب لا يوحي بالغربة.. وما إن انطلق مدفع الإفطار حتى بدأ الرجل الحديث، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن.
*لم يكن حديثه عادياً؛ بدأ من تفاصيل الطعام، يتحدث عن الأطباق وأنواعها، وعن الطريقة المثلى لتناول بعضها، ثم أخذ الحديث ينزلق تدريجياً- كما تنزلق المياه تحت التبن- نحو السياسة
*فجأة وجدنا أنفسنا وسط نقاش واسع عن مستقبل الحرب في السودان، وعن الموقف الدولي منها، وعن القرار الأمريكي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، ثم عن الشباب الإسلاميين والمدنيين والثوريين الذين دعموا الجيش السوداني في مواجهة تمرد المليشيا.
*كان الرجل يتحدث بثقة من يملك رواية جاهزة وقال إن هؤلاء الشباب قدموا دعماً حقيقياً للجيش، لكنهم- في رأيه- لم يحصلوا حتى الآن على ما يستحقونه من تقدير أو حضور سياسي، بل لم ينالوا القدر نفسه من الاهتمام الذي تحظى به بعض القوى الأخرى، مثل القوات المشتركة.
*استمعت طويلاً حديث ممتد، وأفكار متلاحقة، لكنني في داخلي كنت أتساءل: لماذا يريد هذا الرجل أن يسمعني كل هذا؟ ولماذا جمعني بشاب لا يعرفه، ولا أعرفه أنا أيضاً؟.
*انتهينا من الإفطار، واقترحت أن نكمل السهرة بكوب شاي أو قهوة على أحد مقاهي الجيزة العريقة.. كان الاقتراح بسيطاً، لكن الرجل الخمسيني أعاد توجيه الدفة بهدوء.. قال إن لديه موعداً قريباً، واقترح أن نجلس في مقهى قريب من المطعم حتى لا يبتعد عن مكان موعده التالي.. وافقنا، وانتقلنا بالفعل إلى مقهى قريب.. هناك بدأت الحوارات تأخذ شكلاً مختلفاً
*لم تعد مجرد دردشة عابرة، بل صارت أقرب إلى نقاش مفتوح، تتداخل فيه الآراء وتتقاطع فيه الأسئلة وبمرور الوقت، بدأت ألاحظ أن الرجل الخمسيني يقود الحوار بطريقة مدروسة، كأنه يدير جلسة عصف ذهني أكثر منه لقاءً عفوياً شيئاً فشيئاً اتضحت لي ملامح الفكرة.
*كان الرجل يحمل تصوراً معيناً يريد اختباره أو تمريره، وربما لم يكن هذا التصور من صنعه وحده؛ بدأ وكأن هناك عقلاً آخر يقف خلفه، يمده بالأفكار ويعيد ترتيب المشهد في ذهنه.
*ومن هنا جاءت فكرة الجمع بيني-بصفتي كاتباً صحفياً مصرياً- وبين هذا الشاب السوداني.. كان الهدف، على ما يبدو، إيصال صورة معينة
صورة يريد هذا (الملهم الخفي)، عبر صديقه الخمسيني، أن تُعرض أمام كاتب مصري، حتى تنتقل لاحقاً إلى القراء في مصر أو السودان وكأنها انعكاس مباشر للواقع.. لكن السؤال الذي ظل يلحّ عليّ طوال الجلسة كان بسيطا : ما هي هذه الصورة بالضبط؟.
*خلال الحوار اكتشفت أن الشاب ينتمي إلى حركة شبابية كنت قد صادفت منشورات لها من قبل.. ولم يكن الأمر غريباً بالنسبة لي؛ فقد حدثني عنها سابقاً شاب سوداني متطوع في حرب الكرامة أصيب خلال المعارك وجاء إلى القاهرة للعلاج، والتقينا حينها وتحدثنا طويلاً عن تلك الحركة.. وعندما ذكرت اسمه مصادفة أمام الشاب العشريني، اكتشفنا أنه صديق له بالفعل.. كان ذلك التفصيل الصغير كافياً لخلق جسر من الثقة بيننا.. ومنذ تلك اللحظة بدأ الشاب يوجه حديثه إليّ أكثر مما يوجهه إلى الرجل الخمسيني.
*لاحظ الرجل ذلك، فالتفت إليّ مبتسماً وقال: ما رأيك أن تأخذ الشاب وتجالسَه قليلاً على المقهى؟ أما أنا فسأنطلق إلى موعدي.
*كانت الجملة تبدو عادية، لكنها في الحقيقة كانت بداية فصل جديد من القصة.. فبعد دقائق قليلة، غادر الرجل الخمسيني المقهى، تاركاً خلفه شابين لم يكن أحدهما يعرف الآخر قبل ساعتين فقط.. وشعوراً واضحاً بأن الحوار الحقيقي لم يبدأ بعد.
يتبع في الحلقة القادمة
*كاتب وصحفي مصري