آخر الأخبار

شر البلية… لجنة إزالة التمكين وأزمة الدولة السودانية

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

 دكتور مزمل سليمان حمد

 

*أعلن القيادي في التحالف المدني لقوى الثورة (صمود)، محمد الفكي سليمان، عن استئناف نشاط لجنة إزالة التمكين، مع نية إنشاء مقار لها داخل السودان وخارجه، بعد أن تم تجميد اللجنة رسميًا بأمر من رئيس مجلس السيادة الانتقالي. هذا الإعلان يمثل سخرية من الواقع؛ فاللجنة تزعم العودة للعمل وكأن آلاف الموظفين المفصولين، وأصول الدولة المنهوبة، والكفاءات الوطنية التي هجرت البلاد، لم تتضرر قط.

*العودة المزعومة تتم خارج مؤسسات الدولة وأي رقابة قضائية أو محاسبية، ما يكشف عن استهتار اللجنة بالقانون ومؤسسات الدولة، ويؤكد أنها تعتبر نفسها فوق الدولة، وأن مصالحها الخاصة أولوية مهما كان الضرر الذي يلحق بالمواطنين والكفاءات الوطنية ومقدرات الدولة. هذا الإعلان ليس مجرد نشاط إداري، بل استمرار للانقضاض على الدولة وهدر حقوق المواطنين، ويمثل جرس إنذار حقيقي لمستقبل السودان.

*تستمر آثار تجربة لجنة إزالة التمكين في السودان في إثارة الجدل، ليس فقط بسبب الإجراءات التي قامت بها، بل نتيجة الأضرار العميقة التي لحقت بالدولة ومؤسساتها، وبالكفاءات الوطنية التي شكلت عماد الدولة عبر عقود من العمل المهني والمتميز. التدخلات تجاوزت نطاق تصحيح مسار سياسي سابق إلى تفكيك شامل لمؤسسات الدولة، بدءًا من السلطة القضائية مرورًا بالخدمة المدنية ووصولًا إلى الموارد الاقتصادية، ما أدى إلى إضعاف الدولة بصورة غير مسبوقة، وإهدار قدرات الإنسان السوداني المؤهل.

*لقد بدأت اللجنة تدخلها من أخطر مفاصل الدولة وأكثرها حساسية، السلطة القضائية، حيث لم تُراعَ استقلاليتها، ولم يُحترم الاحتراف العلمي والمهني لقضاة المحكمة العليا وموظفي السلك القضائي، ما أدى إلى فصل مئات القضاة بشكل تعسفي وخلق فراغ قضائي هدد نزاهة المحاكم وقدرتها على حماية الحقوق. ولم يقتصر التأثير على القضاء، بل امتد إلى الخدمة المدنية، حيث تعرض آلاف الموظفين والفنيين والإداريين لفصل جماعي، وأدى إلى فقدان الوظائف ودخول أسرهم في دائرة الفقر والحرمان. أكثر من خمسة آلاف من أساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين اضطروا لمغادرة السودان، ما شكّل نزيفًا كميًا ونوعيًا للكفاءات الوطنية وهجرة للعقول، ولم تستعد الدولة التعويض عنها حتى اليوم.

*على الصعيد الاقتصادي، قامت اللجنة بمصادرة العقارات والشركات والحسابات المصرفية لأشخاص وكيانات اعتبرت مرتبطة بالنظام السابق، دون شفافية أو رقابة قانونية، وهو ما أدى إلى اهتزاز بيئة الاستثمار الوطني والأجنبي وتعطيل موارد الدولة.. خلال الفترة بين أغسطس 2019 وفبراير 2021، تولى وزراء المالية الدكتور إبراهيم البدوي، والدكتورة هبة محمد علي، ثم الدكتور جبريل إبراهيم، وأكدوا جميعًا أن أموال اللجنة لم تدخل خزينة الدولة ولم تخضع لأي ضوابط محاسبية أو قانونية، ما يعكس عمق الأزمة في إدارة الموارد العامة وفقدان السيطرة على مقدرات الدولة.

*لقد كانت القرارات التعسفية والإقصاء المنهجي للكفاءات أكثر من مجرد أضرار مؤسسية؛ فهي كانت بذرة تفكيك الدولة، ومهدت الطريق لانفجار الأزمة السياسية والأمنية التي بلغت ذروتها في تمرد (المليشيا المتمردة الارهابية الدعم السريع الغطاء السياسي والعسكري العام) حرب أبريل 2023، حين استغلت المليشيات المسلحة الفوضى المؤسسية للسيطرة على مناطق واسعة، وأضاع ذلك فرص السودان في تعزيز الاستقرار وتنمية مؤسساته الحيوية.

*في ظل هذا الواقع، يطرح سؤال جوهري: كيف يمكن محاسبة لجنة مارست سلطات تعسفية خارج الإطار القانوني، وأثّرت على ملايين المواطنين، وتركت الدولة في حالة هشاشة مستمرة؟ الجواب يكمن في إنشاء محكمة خاصة أو مفوضية قضائية مستقلة، مختصة بالنظر في أعمال لجنة إزالة التمكين، بما يضمن مساءلة مسؤوليها، واسترداد الحقوق للضحايا، وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة. هذه المحكمة يجب أن تمتلك سلطات واضحة للتحقيق والفصل، وتعتمد على الكفاءة القانونية والمهنية بعيدًا عن الاعتبارات السياسية، لضمان العدالة وإيقاف نزيف الكفاءات وإعادة الدولة إلى مسارها الطبيعي.

*لا يمكن للسودان أن يستعيد قوته واستقراره إلا عبر محاسبة المسؤولين عن هذه التجربة الكارثية، وإصلاح ما تهدم من مؤسسات، وإعادة الكفاءات الوطنية إلى مواقعها، وضمان أن تكون الدولة أقوى وأكثر شفافية وعدالة، بعيدًا عن العبث المؤسسي الذي كلف البلاد ثروتها وبشرها ومستقبلها. وهنا، لا يكون “شر البلية” مدعاة للضحك، بل جرس إنذار حقيقي لمستقبل السودان وكفاءاته الوطنية.