
كرة القدم في السودان رافعة للوحدة الوطنية
موطئ قلم
د. أسامة محمد عبدالرحيم
*تابعتُ كغيري تداعيات مباراة الهلال السوداني ونهضة بركان المغربي، في محطة التنافس الحاسمة نحو بلوغ نصف نهائي دوري أبطال إفريقيا، تلك المباراة التي انتهت – للأسف – بخروج الهلال من السباق.. غير أن ما استوقفني لم يكن نتيجة اللقاء بقدر ما كان حجم التفاعل الجماهيري الكبير الذي صاحبها، في وقتٍ تعيش فيه البلاد واحدة من أعقد مراحلها، حيث الحرب المشتعلة، والدمار، والانتهاكات، وتآكل تفاصيل الحياة اليومية وما يلازم ذلك من فظائع.
*ورغم هذا الواقع القاسي والمأساوي، بدأ وكأن كرة القدم – مرة أخرى – تحتفظ بمكانتها كأكثر الأنشطة الجماهيرية قدرة على جمع الناس، وتوحيد مشاعرهم، وإشغال وجدانهم.. فقد ظلت، عبر عقود طويلة، الواجهة الرياضية الأولى في السودان، بل ربما المنصة الأكثر حضورًا في تشكيل الوعي الجمعي، حيث تتجه الأنظار دومًا نحو ناديي الهلال والمريخ، ومن خلفهما المنتخب الوطني، بوصفهم رموزًا تتجاوز حدود الرياضة إلى فضاء الهوية والانتماء.
*ومن المفارقات اللافتة، التي تستحق التأمل، أن هذه الحرب – بكل ما حملته من انقسامات – قد أفرزت، في الجانب الرياضي، حالة معاكسة تمامًا؛ إذ لاحظنا، وعلى غير العادة، تراجعًا في حدة التعصب، وتناميًا لروح المؤازرة المتبادلة.. فقد تابع كثير من أنصار المريخ مشوار الهلال بتمنيات صادقة، كما فعل أنصار الهلال مع المريخ، في مشهدٍ يعكس تنازلًا واعيًا عن العصبية الضيقة لصالح اسم السودان، وصورته، واعتباره في المحافل الخارجية.
*وهذا التحول، في تقديري، ليس عابرًا، بل يرتبط بحاجة عميقة لدى السودانيين إلى ما يسرهم ويبعث فيهم الفرح، ويعيد إليهم شيئًا من الأمل، في ظل واقع ضاغط ومضطرب. كما يعكس توقًا جماعيًا إلى أي حدث يقول: هنا السودان… هنا شعبه… هنا القدرة على الإبداع والإنجاز رغم كل شيء.
ولعل المقولة الشعبية المتداولة – بأن أكبر (كيانين- حزبين- قبيلتين) يتجمع حولهما السودانيون هما الهلال والمريخ – لم تأتِ من فراغ، بل تعبّر عن حقيقة اجتماعية عميقة، مفادها أن الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، تمثل أحد أهم أوعية الاجتماع الوطني في السودان.
*ولعلّ ما يمنح هذه الحقيقة عمقًا أكبر، أن الهلال والمريخ لا يجمعان السودانيين على أساس رياضي فحسب، بل على أساس وطني واجتماعي عابر لكل خطوط الانقسام التقليدية. فهما الكيانان الوحيدان تقريبًا في السودان اللذان تلتقي عندهما قبائل البلاد على اختلافها، ويتجاور فيهما اليساري مع اليميني، وأهل الشرق مع أهل الغرب، وأهل الشمال مع أهل الجنوب، كما يلتقي الأنصاري مع الختمي، والمسلم مع القبطي المسيحي، والصوفي مع السلفي، والمتعلم مع الأمي، في مشهد نادر يعكس وحدة وطنية حقيقية لا تصطنعها الشعارات، بل تُنتجها الممارسة اليومية والانتماء الصادق.
*هذا التلاقي الفريد لا يعبّر فقط عن شعبية هذين الناديين، بل يكشف عن قابلية المجتمع السوداني، في جوهره، للتماسك والتعايش والتوحد حول المشتركات الكبرى، متى ما توفرت له المنصة الجامعة والإطار النظيف.. وهو ما يجعل من تجربة الهلال والمريخ نموذجًا حيًا يمكن البناء عليه في إعادة صياغة مفهوم الوطنية، ليس كخطاب سياسي مجرد، بل كحالة اجتماعية معيشة، تتجسد في قبول التنوع، واحترام الاختلاف، والالتفاف حول ما يوحّد لا ما يفرّق.
*وفي مقابل هذا المشهد، يبرز سؤال مؤلم: لماذا عجزت القوى السياسية، منذ الاستقلال وحتى اليوم، عن إنتاج واقعٍ يشبه هذا الشعب في وحدته الفطرية، وفي قدرته على الالتفاف حول قضايا مشتركة؟ لماذا ظل الفشل ملازمًا لمساراتها، في تحقيق الاستقرار، والتنمية، والسلام، ورفاهية المواطن؟
*من هنا، تتولد فكرة تستحق النظر الجاد؛ ماذا لو أُعيد التفكير في دور الرياضة، ليس فقط كنشاط ترفيهي أو تنافسي، بل كمنصة وطنية قادرة على الإسهام في إعادة بناء الاجتماع السوداني؟.
*إن الهلال والمريخ – بما يمثلانه من ثقل جماهيري – يمكن أن يكونا أكثر من مجرد ناديين؛ يمكن أن يتحولا إلى رافعتين وطنيتين لاستنهاض طاقات المجتمع، وتوجيهها نحو أهداف عليا من وحدة، وسيادة، واستقرار، وريادة. بل ويمكن، عبرهما، خلق ما يشبه (البرلمان الشعبي الموازي) – بصورة رمزية، أو ربما عملية – يعكس نبض الشارع، ويعبر عن تطلعاته، إلى حين استعادة الدولة لعافيتها المؤسسية.
*وعلى مستوى أوسع، فإن الدوري الممتاز نفسه يمكن أن يتحول إلى شبكة تواصل وطني تمتد من المدن الكبرى إلى أصغر القرى، من الوادي نيالا إلى حي العرب ببورتسودان، ومن السهم الدامر إلى المريخ كريمة، ومن الهلال الأبيض إلى الميرغني كسلا.. هذه الشبكة، القائمة بالفعل، يمكن أن تُستثمر لبناء مستويات متدرجة من الرأي العام، والحوار المجتمعي، والتفاعل الوطني العابر للجهويات والانقسامات.
*إن ما يجري اليوم بشكل تلقائي، يمكن – إذا أُحسن توظيفه – أن يتحول إلى مسار وطني منظم، يوجه طاقات المجتمع نحو مقاصد أسمى، ويؤسس لثقافة تنافس شريف بديلة أو موازية للتنافس الحزبي والاختلاف الأيديولوجي الذي أنهك البلاد.
*وفي هذا السياق، يصبح دور الدولة محوريًا.. فتبني هذا الفهم، والعمل على دعمه ماديًا وتخطيطيًا، يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة للمساهمة في إيجاد مخارج للأزمة الوطنية. فالاستثمار في البنية الرياضية، ودعم الأندية، وتنظيم الحراك الجماهيري، ليس ترفًا، بل قد يكون جزءًا من أدوات الاستقرار وبناء السلم الاجتماعي.
*كما أن الطاقات الجماهيرية المرتبطة بالرياضة تمثل موردًا هائلًا يمكن توجيهه إيجابيًا، سواء في حملات التوعية، أو المبادرات المجتمعية، أو حتى في دعم قضايا التنمية المحلية. بل إن الكيانات والرموز والقيادات الرياضية يمكن أن تُفعّل لتلعب دورًا موازيًا للإدارة الأهلية، وربما أكثر تأثيرًا في بعض السياقات، نظرًا لامتدادها الشعبي الواسع وقبولها المجتمعي.
*ولا يقل أهمية عن ذلك، الدور الذي يمكن أن تلعبه الرياضة في احتواء الجماهير، وتوجيه طاقاتهم، خاصة في أوقات الأزمات. فالرياضة توفر متنفسًا نفسيًا، ومساحة للتعبير، وإطارًا منضبطًا للتنافس، يحدّ من الانزلاق نحو العنف أو التفكك الاجتماعي، ويعيد إنتاج الشعور بالانتماء في صورته الإيجابية.
*إن تحويل التنافس من ساحات السياسة المنقسمة إلى ملاعب الرياضة المنضبطة، لا يعني إلغاء السياسة، بل إعادة تهذيب أدواتها، واستلهام نماذج أكثر نبلًا في إدارة الاختلاف.
*وفي الوقت الذي تضيق فيه مساحات الأمل بسبب الحرب والأزمات المزمنة، فقد تفتح كرة تُركل في ملعب بابًا واسعًا للوطن. وما بين مدرجات الهلال والمريخ، يكمن درس عميق – يمكن استثماره – في معنى الاجتماع، والتسامح، والانتماء. فربما آن الأوان لأن نعيد النظر في أولوياتنا، وأن نمنح الرياضة – بما تحمله من طاقة جامعة – دورًا يتجاوز حدود اللعب، ليصل إلى المساهمة في إنقاذ وطن يبحث عن نفسه بين ركام الحرب وتوالي الأزمات، وربما بين المدرجات، يجد طريقه إلى نفسه من جديد.