آثار السودان بين الإهمال الرسمي وجرافات الدهابة(4)
- السودان فاحش الثراء معدنيا
- مؤشرات جيولوجية تبشر بوجود اليورانيوم بدارفور وجبال النوبة والشمالية ونهر النيل
- هذا سر ظاهرة وجود حبيبات الذهب في الرمال والحصى بالأودية ومجاري الأنهار
- السودان يقع في نطاق (الدرع العربي ــ النوبي) الغني برواسب الذهب
حسينارتي ــ عادل الحاج:
في صمت الصحراء الممتدة شمال السودان، حيث تتناثر بقايا حضارات ضاربة في عمق التاريخ، يقف الماضي شاهداً على مجدٍ عظيمٍ صنعته حضارات كوش ونبتة ومروي.. غير أن هذا الصمت لم يعد هادئاً كما كان فقد باتت معاول التنقيب العشوائي عن الذهب، وصوت محركات الآليات الثقيلة، تقطع سكون تلك المواقع الأثرية في مشهد يختلط فيه الطمع بالجهل والإهمال.. وبينما يفترض أن تكون هذه المواقع تحت حماية ورعاية الجهات المختصة، يزداد القلق من أن تاريخ السودان العريق يتعرض اليوم لتهديد حقيقي قد يؤدي إلى ضياع جزء مهم من ذاكرة الأمة.. ويُعد السودان من أغنى دول العالم بالمواقع الأثرية، إذ تنتشر على أراضيه آلاف المواقع التي تعود إلى حضارات قديمة امتدت لآلاف السنين.. وتشير تقديرات الباحثين إلى أن كثيراً من هذه المواقع لم تُكتشف بعد، فيما تعاني مواقع
أخرى من غياب الحماية الكافية أو التوثيق العلمي.. التحقيق التالي يناقش هذه القضية من مناطق الآثار بالولاية الشمالية.. من خلال هذه الحلقة الرابعة من التحقيق نلتقي بالدكتور (عبد الله محمد عبد الله بابكر) الأستاذ المساعد بجامعة افريقيا العالمية رئيس قسم الجيولوجيا الإقتصاديه بكلية المعادن والنفط وهو أحد المتخصصين في علوم الأرض والجيولوجيا.. حيث سلط الضوء على الطبيعة الجيولوجية للسودان وانتشار الذهب في أقاليمه المختلفة وإمكانية وجود معادن أخرى مثل اليورانيوم.. إلى جانب رؤيته لواقع التعدين الأهلي والتحديات التي تواجه تنظيمه والحفاظ على الثروة المعدنية والتراث الحضاري الأثري للبلاد
موقع جيولوجي متميز:
يستهل د.عبد الله محمد عبد الله بابكر، المتخصص في علوم الأرض والجيولوجيا مداخلته في التحقيق بقوله: يتمتع السودان بموقع جيولوجي متميز ضمن الجزء الشمالي الشرقي من قارة أفريقيا، وهو جزء من الكتلة الجيولوجية القديمة المعروفة بكتلة شمال شرق أفريقيا، وهي من أقدم التكوينات الصخرية في القارة، هذا الموقع أكسب السودان تنوعاً جيولوجياً كبيراً، انعكس بدوره في وفرة وتعدد الثروات المعدنية التي تختزنها أراضيه.. فالسودان يذخر بموارد معدنية مهمة تتوزع في أقاليمه المختلفة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ويأتي في مقدمتها الذهب الذي يُعد من أبرز المعادن إنتشاراً في البلاد، إلى جانب معادن أخرى ذات قيمة إقتصادية كبيرة مثل الفضة والحديد والنحاس والمنغنيز والتنجستن، فضلاً عن معادن صناعية أخرى تدخل في مجالات متعددة من الصناعات الحديثة.. ويعود هذا الثراء المعدني إلى تعاقب العصور الجيولوجية المختلفة التي مرت بها أرض السودان، وما صاحبها من نشاطات تكتونية وبركانية وترسيبية أسهمت في تكوين بيئات جيولوجية متنوعة، ساعدت على تكوّن هذه الخامات المعدنية وتوزعها في نطاقات متعددة داخل البلاد.. كما أن هذا التنوع الجيولوجي يجعل السودان من الدول التي تمتلك إمكانات كبيرة في مجال التعدين، سواء على مستوى الإستكشاف أو الإستثمار، الأمر الذي يتطلب المزيد من الدراسات العلمية والتنقيب المنظم للإستفادة من هذه الثروات بصورة تحقق التنمية الإقتصادية وتحافظ في الوقت نفسه على البيئة والموارد الطبيعية.. ويُعد الذهب من أبرز الموارد المعدنية في السودان، بل يمكن القول إنه من أهم الثروات التي حبا الله بها هذه البلاد.
حزام الذهب:
وفي هذه الجزئية من حديثه لـ(أصداء سودانية) يتحدث د. عبد الله، من منظور علمي وجيولوجي عن أماكن تواجد الذهب في السودان، بقوله: إنتشار الذهب في السودان يرتبط بطبيعة التكوينات الصخرية القديمة التي تشكّل جزءا من: (الدرع العربي ــ النوبي).. وهو حزام جيولوجي غني بالمعادن يمتد عبر شمال شرق أفريقيا ويُعد من البيئات المثالية لتكوّن رواسب الذهب.. حيث يظهر الذهب بالسودان في نوعين رئيسيين من الرواسب، أولهما: الرواسب الأولية المرتبطة بالصخور النارية والمتحولة، خاصة في مناطق الجبال والأحزمة الصخرية القديمة.. وثانيهما: الرواسب الثانوية التي تتكوّن نتيجة عوامل التعرية ونقل الفتات الصخري عبر الأودية ومجاري الأنهار، حيث تترسب حبيبات الذهب في الرمال والحصى، وهو ما يفسر وجوده في بعض المناطق القريبة من مجرى النيل وروافده.. وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن انتشار الذهب في السودان واسع نسبياً، إذ توجد مؤشرات وحقول معروفة في مناطق متعددة من البلاد، لا سيما في ولايات البحر الأحمر ونهر النيل والشمالية ونهر النيل وجنوب كردفان ودارفور، فضلاً عن مناطق أخرى لا تزال بحاجة إلى المزيد من أعمال الاستكشاف العلمي المنظم.. ومن هنا يمكن القول إن السودان يمتلك إمكانات كبيرة في مجال إنتاج الذهب، غير أن الاستفادة المثلى من هذه الثروة تتطلب توسيع نطاق الدراسات الجيولوجية الحديثة، وتنظيم عمليات التعدين وفق أسس علمية وإقتصادية تضمن تحقيق العائد الوطني، مع المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية.
خامات اليورانيوم:
وحول ما يتردد في بعض الأوساط من وجود كميات كبيرة من خامات لليورانيوم ببعض مناطق البلاد، يجيب موضحا: حتى الآن لم تُجر دراسات جيولوجية شاملة ومكثفة تؤكد بصورة قاطعة وجود خامات اليورانيوم في السودان، غير أن عدداً من المؤشرات العلمية والجيولوجية تلمّح إلى إمكانية وجوده في بعض مناطق البلاد، فالدراسات الأولية والملاحظات الميدانية تشير إلى إحتمالات واعدة لوجود هذا المعدن في مناطق متفرقة، لا سيما في إقليم دارفور، وجبال النوبة، إضافة إلى بعض المناطق في ولايتي الشمالية ونهر النيل.. ومن المعروف في علم الجيولوجيا أن خامات اليورانيوم غالباً ما ترتبط بتكوينات صخرية معينة، مثل الصخور الرسوبية القديمة أو الصخور النارية والمتحولة الغنية بالعناصر المشعة، وهي تكوينات تتوفر بالفعل في عدد من الأقاليم الجيولوجية في السودان، لذلك يرى بعض المختصين أن وجود مثل هذه البيئات الجيولوجية قد يشير إلى إحتمالات وجود رواسب لليورانيوم أو معادن مشعة أخرى.. غير أن تأكيد ذلك بشكل علمي يتطلب إجراء مسوحات جيولوجية وجيوفيزيائية دقيقة، إلى جانب دراسات إستكشافية متقدمة تستخدم التقنيات الحديثة في الكشف عن المعادن.. ومن هنا تبرز أهمية تكثيف أعمال البحث العلمي والإستكشاف المنظم، حتى تتضح الصورة بشكل أدق حول إمكانات السودان في هذا المجال.
الحلقة القادمة:
ــ السودان يختزن في باطن أرضه ثروات معدنية متنوعة هائلة.
ــ التعدين العشوائي للذهب يتسبب في طمس ذاكرة الوطن.
ــ يجب إيجاد جهاز رقابي (فعال) يتولى متابعة أنشطة التعدين بالمواقع الأثرية.
-القضاء على التعدين العشوائي (صعب) لإرتباطه بواقع إقتصادي ومعيشي لآلاف المواطنين.