
المليشيا وصمود الدولة.. حين تُهزم القوة أمام وعي الوطن
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد.
*لم تكن مدينة الكرمك، تلك الحاضرة السودانية المتجذرة على تخوم الجغرافيا والتاريخ، مجرد مسرح لواقعة عسكرية عابرة، بل تحولت في لحظة فارقة إلى عنوان مكثف لصراع أعمق، يتجاوز حدود المكان والزمان، ويعكس بوضوح التناقض الجوهري بين مشروع الدولة الوطنية ومشروع الفوضى المسلحة.. فما جرى لم يكن هجومًا تقليديًا بقدر ما كان محاولة محسوبة لإعادة تشكيل موازين القوة عبر استهداف الأطراف الهشة، واستثمار معاناة المدنيين كورقة ضغط سياسية، بعد أن عجزت المليشيا المتمردة عن تحقيق اختراق يُذكر في ساحات المواجهة المباشرة.
*تشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجوم الذي تعرضت له الكرمك جاء في سياق تحالفات ظرفية، حيث دفعت المليشيا المتمردة الارهابية الدعم السريع بقواتها مدعومة بعناصر من الحركة الشعبية – شمال، في محاولة لفتح جبهة جديدة تعوض بها سلسلة الانتكاسات التي مُنيت بها في مسارح عمليات أخرى.. ولم يكن اختيار الكرمك اعتباطيًا، بل يعكس إدراكًا لأهمية المناطق الحدودية كمساحات رخوة يمكن توظيفها لإحداث إرباك أمني وسياسي، وربما فرض معادلات تفاوضية مختلة تسعى من خلالها هذه القوى إلى انتزاع ما فشلت في تحقيقه بالقوة المجردة.
*غير أن هذا الرهان سرعان ما اصطدم بواقع مغاير، إذ أظهرت القوات المسلحة السودانية قدرة عالية على امتصاص الصدمة واستعادة زمام المبادرة، لتفرض سيطرتها الكاملة وتعيد الاستقرار إلى المدينة في وقت وجيز.. ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لتماسك المؤسسة العسكرية، وخبرتها في إدارة المعارك المعقدة، ووضوح عقيدتها في حماية الأرض وصون السيادة.. وهنا تتجلى المفارقة.. حين تراهن المليشيا على الفوضى، تراهن الدولة على النظام؛ وحين تستند الأولى إلى التمدد، تستند الثانية إلى الثبات.
*لكن، ورغم هذا النجاح العسكري، فإن الكلفة الإنسانية تظل الوجه الأكثر قسوة في هذه المعادلة.. فقد اضطر مئات المواطنين إلى النزوح، تاركين خلفهم بيوتهم وذكرياتهم، في مشهد يلخص مأساة الحرب بكل أبعادها. *هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في تقارير، بل حكايات حيّة تختزن الألم والصبر، وتفرض على الدولة والمجتمع مسؤولية أخلاقية وإنسانية مضاعفة، تتجاوز الإغاثة الآنية إلى إعادة البناء النفسي والمادي، واستعادة الإحساس بالأمان الذي تآكل تحت وقع الرصاص.
*إن ما جرى في الكرمك يتجاوز كونه معركة عسكرية إلى كونه اختبارًا حقيقيًا لصلابة الدولة ووعي المجتمع.. فالدولة حين تتماسك مؤسساتها، تصبح قادرة على امتصاص الصدمات وتحويلها إلى نقاط قوة، والمجتمع، حين يتحصن بالوعي، يصبح عصيًا على التضليل، وقادرًا على التمييز بين معركة الدفاع المشروع ومحاولات الابتزاز السياسي.
*ولعل أصدق ما يمكن أن يُقال في هذا المقام، أن الكرمك لم تكن وحدها في هذه المعركة؛ فقد كان خلفها وطن كامل، يختبر قدرته على الصمود، ويعيد تعريف معاني الانتماء في لحظة شديدة القسوة.. كما لا يفوتنا أن نحيي صبر المواطنين الذين واجهوا الرعب بثبات، ونثمن جهود كل من أسهم في حماية المدنيين وإغاثة النازحين، من كوادر إنسانية وطبية وإدارية، ظلوا في الميدان حين غاب الأمان.
*وهكذا، تخرج الكرمك من محنتها لا كمدينة نجت من هجوم، بل كرمز حيّ لإرادة وطن لا يُهزم، ولحقيقة راسخة مفادها أن القوة، مهما تعاظمت، تظل عاجزة أمام وعي الشعوب حين يتجذر، وأن السلام الحقيقي لا يُفرض بالسلاح، بل يُبنى على أسس الدولة العادلة، والإرادة الوطنية التي لا تنكسر.