آخر الأخبار

كواليس صراع النخب والشباب… حديث على مائدة  حرب الكرامة (3)

 

عمرو خان

*تبدو الحكاية أصغر من أن تلفت انتباه شخص عادي، لكن فهم رسالتها يحتاج إلى قدر من الحكمة.. هكذا شعرت عندما جلست بين الرجل الخمسيني والشاب العشريني في المقهى المجاور لذلك المطعم الشرقي في غرب المدينة.

*قبل أن يغادر الرجل الخمسيني، كان يتحدث عن أن الشباب الثوري – سواء المؤدلج أو المدني الوطني – شاركوا جميعًا في مسارات المشهد السياسي في السودان منذ عام 2017 تقريبًا، وربما بلغ حضورهم ذروته في عام 2018، لكنه لم يخفت بعد ذلك.

*غير أن الرجل لم يكن يسرد هذه الوقائع لمجرد التذكير بالتاريخ؛ بل كان يريد أن يدفع بالشباب إلى الطاولة… لكن أي طاولة يقصد؟

هل هي طاولة المطعم؟ أم طاولة المقهى؟ أم طاولة القصر الجمهوري والحكومة؟.

*كان يريد ببساطة أن يكون للشباب صوت؛ صوت ينبع من حق مشروع في إبداء الرأي والمشاركة في صناعة قرار سوداني خالص، يرسم ملامح المستقبل السياسي للبلاد.. صوت يشمل أيضًا الشباب المقاتلين في صفوف القوات المشتركة المساندة للقوات المسلحة السودانية.

*في تلك اللحظة بدا لي أن الحوار الثلاثي بيني وبين الرجل الخمسيني والشاب العشريني قد أُغلق بابه، ولن يعود نجمه إلى الإشعاع إلا إذا وجدت إجابة للأسئلة التي كانت تنهش رأسي مثل نمل الصيف.

*لذلك سألت الرجل الخمسيني مباشرة

أنت تريد مشاركة الشباب في حكم السودان، لكن ما تصورك لشكل هذه المشاركة؟ هل لديك رؤية واضحة؟

قبل أن يجيب، انتفض الشاب العشريني قائلاً

هل تعلم أن هذا السؤال طُرح علينا ونحن في قلب المعارك من أحد القيادات العسكرية في القوات المشتركة؟ وكانت إجابتي يومها: هل انتهت الحرب حتى نضع تصورًا للمشاركة في أي مشروع سياسي مستقبلي؟

*عندها تدخل الرجل الخمسيني قائلاً

الشباب المؤدلج المنتمي للإسلاميين، وشباب الأحزاب بمختلف انتماءاتهم السياسية، وشباب الحركات الثورية، والجمعيات المدنية، والشباب الوطني المستقل… جميعهم شاركوا في الثورات، وكثير منهم يشارك اليوم في الحرب.. ثم أردف بنبرة هادئة لكنها حاسمة عندما كانوا في ميادين الثورة كانوا جسدًا واحدًا، وفي ميادين المعركة هم كذلك. فلماذا يبدأ الآن هذا الميل إلى التصنيف؟ ولماذا يُستبعد بعضهم لمجرد أن هناك من يرفضهم؟

في تلك اللحظة، وبينما كنت أستمع إلى الرجلين، خطرت لي فكرة بدت أكبر من تفاصيل الطاولة الصغيرة التي تجمعنا.. شعرت أن هناك من يحاول دفع أزمة جديدة إلى المشهد السياسي السوداني، عبر بوابة قد تبدو فئوية في ظاهرها، لكنها في جوهرها قضية شديدة الحساسية.. فالشباب هم وقود كل التحولات، وهم عصب اللحظات التاريخية الكبرى، لكن تحويل هذا الوقود إلى أداة صراع جديدة قد يفتح بابًا آخر للأزمة بدلاً من أن يقود إلى مخرج منها.

*غير أن لكل مقام مقالًا، ولكل مرحلة أدواتها وحدودها.. فلا ينبغي إشعال هذا الوقود بدافع انتقام سياسي أو رغبة في تصفية حسابات مع الواقع، لمجرد الشعور بالاستبعاد من المشهد. وهنا أعني بوضوح قضية استبعاد الإسلاميين من الحياة السياسية السودانية؛ فهي مسألة لا يمكن التعامل معها بمنطق ردود الفعل أو استدعاء الشباب كوقود لمعركة جديدة، بل تحتاج إلى نقاش وطني أوسع يوازن بين العدالة السياسية ومتطلبات الاستقرار وبناء المستقبل.

*عندها فقط شعرت أنني وجدت طرف الخيط الذي ربما يفسر لماذا كنت هناك، ولماذا كنت أستمع أكثر مما أتكلم.

يتبع في الحلقة القادمة

* كاتب صحفي مصري