تفاصيل وأسباب إنهيار محطة ام بنين.. أكبر وأهم مركز بحثي للحيوان في السودان (1)
- حقيقة (البقرة 70) التي كانت تحلب 70 رطل لبن يوميا
- جولة ميدانية تكشف كيف تحولت المحطة البحثية لأطلال تسكنها الخفافيش والقطط والكلاب الضالة
- المحطة في عصرها الذهبي كانت تمد مدينة سنجة وداخليات المدارس ونزلاء السجن بالحليب يوميا
تحقيق ــ التاج عثمان:
لو إستمرت محطة أبحاث ام بنين بهذا النهج لأصبح الإقليم الأوسط هولندا السودان.. هذا الحُلم او التوقع المستقبلي صاحبه آخر مدير أجنبي لمحطة أبحاث ام بنين قبل السودنة وهو عالم تربية الحيوان الهندي (مكاجاني).. لكن للأسف لم يتحقق حُلم العالم الهندي بل إنهارت المحطة البحثية منذ أوائل التسعينات وتحولت لمجرد زريبة خاوية على عروشها من الابقار والتي ماتت منها أعدادا كبيرة ومن نجت من الجوع والإهمال والأمراض لحقتها سكاكين الفاسدين إما بالبيع او الذبح رغم أنها كانت تضم سلالات لأبقار مهجنة نادرة.. التحقيق الإستقصائي التالي يكشف على حلقات تفاصيل وأسرار تنشر لأول مرة حول الأسباب الحقيقية لإنهيار وضياع محطة أبحاث ام بنين أكبر وأهم مركز بحثي للحيوان في السودان وافريقيا.
البقرة 70
محطة أبحاث ام بنين، محطة بيطرية متخصصة في تحسين النسل وتجويد ابقار كنانة.. تأسست عام 1957 بواسطة المعونة الأمريكية بتمويل من بريطانيا بواسطة الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا، تقع بمنطقة ام بنين التي تبعد حوالي 9 كيلو متر جنوب شرق مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار.. وتعد من المراكز البحثية البيطرية الرائدة في السودان في مجال الأبحاث الحيوانية، بجانب زميلاتها الأخُريات وهي محطات: (الشكابة لتحسين سلالة أبقار البطانة ــ محطة عطبرة لتحسين السلالات ــ محطة الغزالة جاوزت بدارفور لتحسين السلالات ــ محطة الهدى بمنطقة الحلاويين لتحسين سلالة الضأن).
حسب المعلومات التي تحصلت عليها من بعض العاملين السابقين بمحطة ام بنين، ان الإنجليز، الذين كانوا وقتها يشرفون على إدارة المحطة في نهاية الخمسينات، بالتنسيق مع الإيرلنديين، قاموا بإستيراد (1000) بقرة من أبقار الكنانة من منطقة حزام الكنانة، الذي يمتد شرق وغرب النيل الأزرق، من مدينة سنار بولاية سنار، وحتى مدينة الدمازين بإقليم النيل الأزرق.. وبعد وصول أبقار الكنانة للمحطة قامت إدارة المحطة الإنجليزية وقتها بمشاركة الطاقم السوداني من البياطرة والفنيين عمل سجلات لأبقار الكنانة الألف، وكانت عبارة عن (سجلات أداء وإنتاج) وسجل صحي لكل بقرة.. وبعد مرور عام من وصولها لمحطة ام بنين تم تقييم للأبقار، حيث تم إختيار أفضل (500) بقرة.. وعام 1975 حققت إحدى الأبقار المحسنة إنتاج (70) رطلا لبن في اليوم بموسم حلابة كامل، وأطلق على تلك البقرة المحسنة لقب (البقرة 70)، وكانت تعد أشهر بقرة بكل محطات الأبحاث البيطرية بل بكل السودان وخارجه، وتحلب ثلاث حلبات في اليوم، بينما كانت حفيدتها تحلب (60) رطلا من اللبن كل يوم.
داخل المحطة:

عقب إندلاع حرب الخرطوم نزحت لمدينة سنجة، عملت خلالها متعاونا بصحيفة (نبض السلطنة) التابعة لحكومة ولاية سنار، ونشرت فيها تحقيقا صحفيا أجريته من داخل محطة أبحاث ام بنين، كشفت من خلاله بالصور، كيف وصل الأمر بالمحطة البحثية البيطرية التي كانت تسقي معظم مدن ولاية سنار بالحليب الطازج ومنتجات الألبان الأخرى، بل وكانت تقدم يوميا مئات الأرطال لمستشفى وسجن سنجه وداخليات الطلاب والطالبات بمدارس مدينة سنجة مجانا.. كانت وقتها المحطة تعيش في اوج عصرها الذهبي وتعدت شهرتها منطقتي ام بنين وسنجة بل وصلت لكل السودان وخارجه.. للتأكيد على ذلك ما ذكره لي العم (صالح ود إغيبش) والذي إلتحق بالعمل في المحطة منذ ان كان عمره (16) سنة وظل يعمل بها حتى تمت إحالته للمعاش، لكن مدير المحطة تمسك به لخبرته الطويلة والثرية بأبقار كنانة وعمل المحطة بمزرعتها وابقارها وعجولها وثيرانها ومحالبها وكل ما يتعلق بها.. تجولت معه برفقة مدير المحطة، د. حاتم دران، والعم (صالح ود غبيش)، الذي يبدو من شرحه لأقسام المحطة يعرف عنها كل صغيرة وكبيرة، لكنه كان يتحدث بآسى وألم كبيرين، كان عم صالح يسرد لي ماضى المحطة الذهبي وحالها الراهن بعد ان فقدت أبقارها، وآلياتها الزراعية، وجراراتها وترلاتها، وشاحناتها، وسيارتها، ومزرعتها التي تفوق مساحتها 1000 المخصصة لزراعة العلف الخاص بتغذية أبقار المحطة التي كانت تغذي الأبقار بالعلف، ومنازلها الجميلة التي تحولت إلى أطلال تتسكنها أسراب الخفافيش والكلاب الضالة، حتى أشجارها الباسقة الجميلة الظليلة التي كانت تميزها إمتدت إليها يد التخريب والقطع، خاصة بعد دخول المليشيا المتمردة المحطة حيث عاثوا فيها فسادا، نهبوا ترابيزها وكراسيها حتى النوافذ والأبواب قاموا بنزعها وسرقتها، والأخطر أنهم اتلفوا واحرقوا كل الوثائق والبحوث الخاصة بالمحطة والتي امضى فيها علماء الحيوان سنينا عددا لتجهيزها، بجانب إختفاء شاحنة خاصة بالمزرعة وجرارا وترلة لم يتم العثور عليها.. تحسر عمنا (صالح ود إغيبش) عن ماضي محطة ام بنين وعن سلالات الأبقار التي شارك في جلبها من قرى الكنانة الممتدة بين مدينة سنار وحتى مدينة الدمازين بإقليم النيل الأزرق.. وأطلق على الأبقار المحسنة الوليدة أسمائها وكان يعاملها وكأنها بناته.. وقال ان الثيران الطلائق التي تقوم بتلقيح الأبقار لتحسين نسلها كان عددها في تلك الفترة (50) من الثيران او (الطلائق)، بجانب (250) بقرة، تم توزيعه الثيران (الطلائق) على (40) قرية ومنها قري مصانع السكر، وكانت المحطة تسلم شيخ الحلة الثور على ان يأتي أصحاب الأبقار لتقديمها للثور لتلقيحها بهدف إنجاب سلالات محسنة من الأبقار.. ولكن للأسف كل ذلك إنهار تماما، وتم ذبح الثيران الطلائق وبناتها من العجول وسرق بعضها، وتعرضت مزرعة العلف الخاصة بتغذية الابقار للعطش بعد ان جفت ترعتها، وأكملت المليشيا الناقصة بنهبها للمحطة عقب إجتياحها لمدينة سنجة.
تمويل الفاو:
عام 1990 قدمت الفاو مبلغ (2) مليون و(700) ألف دولار لصالح تمويل، الوثبة الثانية، لمشروع إنتاج العجلات المحسنة بالمحطة، والتمويل كل ثلاث سنوات، إلا ان وزارة المالية في ذلك الوقت إستولت على القسط الأول الخاص بإنتاجية العجول المحسنة، وعندما إحتج مدير المحطة وقتذاك، (بروف سعدابي)، تم نقله من محطة ام بنين فاوقفت الفاو تمويلها، وإنسحب الإيرلنديين من المحطة.. وقرأت في إحدى وثائق المحطة تعليقا كتبه بخط يده بالإنجليزية آخر مدير لمحطة ام بنين قبل سودنتها، حيث كتب: لو إستمرت محطة ام بنين للبحوث البيطرية بمثل هذا النهج فسوف يكون الإقليم الأوسط هولندا السودان.. والإقليم الأوسط وقتها كان يشمل ولايات: (الجزيرة ــ سنار ــ النيل الأزرق ــ النيل الابيض)، لكن للأسف لم يتحقق حُلم ذلك المدير الهندي، بل هزمته المصالح الضيقة والفساد والجهوية والعنصرية الوظيفية التي تميزت بها الحكومات الوطنية السابقة منذ الإستقلال، ولم تصبح محطة ام بنين (هولندا السودان) كما كان يحلم مديرها الهندي، بل ان المفسدين نشفوها من كل شيء حتى لم تبق فيها بقرة واحدة.
سنة 1990 قدمت الفاو مبلغ (2) مليون و(700) ألف دولار لصالح محطة ام بنين، لتمويل (الوثبة الثانية لمشروع إنتاج العجلات المحسنة) بمحطة ام بنين، والتمويل كل ثلاث سنوات، إلا أن وزارة المالية وقتها إستولت على القسط الأول الخاص بتمويل العجول المحسنة بالمحطة، كما أشرت لذلك سلفا.. وبدلا من تحسين العجول تم ذبحها وتقديمها وليمة لبعض الجهات بما فيها الثيران (الطلائق) غالية الثمن، سواء ماليا وبحثيا، حيث إجتهد علماء المحطة في البحث العلمي حتى توصلوا في النهاية لأفضل إسلوب علمي لتحسين سلالة أبقار الكنانة بالمحطة، وأصبحت تدر حليبا وافرا غير معهودا عالميا، خاصة (البقرة 70) التي كانت تحلب يوميا 70 رطل لبن على 3 حلبات في اليوم، وبالتالي أوقفت الفاو دعمها المالي للمحطة، بينما إنسحب الإيرلنديين منها.
نواصل