من الدلنج إلى الكرمك.. كيف تتنوع إستراتيجية الجيش في سحق المليشيا؟
تقرير: الطيب عباس
صد اللواء 54 التابع للقوات المسلحة، فجر السبت، هجوما بائسا شنته مليشيا الدعم السريع مسنودة بمرتزقة النوير الجنوب سودانية.
وأوضحت مصادر أن الهجوم استمر نحو ساعة ونصف تكبدت فيه المليشيا خسائر مروعة، حيث تمكنت مسيرات الجيش من حصد عناصر المليشيا ونثرت جثثهم في الجبال الغربية، بينما هلك العشرات من مرتزقة النوير.
وحسب المتابعات، فإن الجيش وعلى مدى يومي الجمعة وأمس السبت، فتك بالمليشيا في هذا المحور، حيث أوقع صباح الجمعة قوة مهاجمة من المليشيا مسنودة بمرتزقة جنوبيين في كمين وقتل منهم العشرات قبل أن يفروا من محيط الدلنج.
وأوضح قائد العمل الخاص بكردفان، محمد ديدان، أن نائب قائد المليشيا عبد الرحيم دقلو، استجلب المليشي يعقوب الصادق خصيصا من الإمارات وأوكل له مهمة دخول مدينة الدلنج، وقال ديدان إن المليشي الصادق وعده بدخول المدينة قبل موعد فطور أمس السبت، قبل أن تلحقه رصاصة ويسقط صريعا لينضم لقائمة هلكى الجنجويد.
لا ينفصل بحسب مراقبين محور الدلنج عن المعارك التي تدور في محور الكرمك بإقليم النيل الأزرق، لكن الاختلاف يظهر في تعاطي الجيش السوداني مع المحورين، حيث يرى الباحث دكتور عثمان نورين، أن الجيش تعود على عمليات السحق الفوري لأي قوة تقترب من الدلنج ونجحت هذه الإستراتيجية لمدة ثلاثة سنوات، حيث لم تدخل المليشيا المدينة رغم تعرضها لهجوم متكرر، بينما تعامل الجيش – والحديث لدكتور نورين – في محور النيل الأزرق، بشئ أشبه بالخطط المرنة، حيث سمح لقوة مهاجمة من دخول مناطق طرفية في إقليم النيل الأزرق.
وأوضح نورين، أن المليشيا رغم سيطرتها على بعض المناطق مثل “الكرمك، الكيلي، مقجة، بالدقو ومدو” إلا أن وجودها هش ومؤقت وتحت ضغط مستمر ومكثف من القوات المسلحة ولا تشكل خطرا على بقية مدن الإقليم، مشيرا إلى أنه يمكن تشبيه هذه الخطة بآلية تنفيس لتدفق المياه، حيث تهدف إلى شق مسارات بديلة تعمل على توزيع الضغط وتقليل الاحتمالات الخطرة للفيضان، وهو عين مافعله الجيش في محور الكرمك، حيث عمل على شل قوة ضخمة من المليشيا وقوات الشعبية مسنودة بقوات أثيوبية وحول خطتها من الهجوم للدفاع عن مناطق طرفية بدلا من التوغل في العمق.
بالنسبة للخبير الإستراتيجي والمحلل السياسي، محمد المصطفى، فإن الجيش يعتمد على خطط ورؤى تختلف حسب طبيعة الهجوم والقوة المهاجمة وحساسية المناطق المستهدفة، مستبعدا فكرة أن الانسحاب من الكرمك كان نتاج لهزيمة عسكرية، أو أن الاحتفاظ بالدلنج رغم الهجمات العنيفة كان بسبب شراسة قوات الجيش هناك، لافتا إلى أن الاحتفاظ بالدلنج رغم تعرضها لهجوم مستمر منذ ثلاثة سنوات والانسحاب السريع من الكرمك، لا يعدوان نمطا من أنماط خطط الجيش وتقديراته العسكرية المدروسة بعناية، وأوضح المصطفى، إن خطة الجيش التي كانت أكثر وضوحا خلال هذه الحرب هو أنه لم يكن يفضل الاحتفاظ بالأرض إلا بالمقدار الذي يساعد تكتيكاته العسكرية، وهو ما يجعل صور القتال الشرس عن الدلنج والانسحاب السريع من الكرمك مقبولا بالشكل والمضمون، لكونهما رغم التباين الظاهر للعامة لكنهما يصبان بالمقدار نفسه في مصلحة الشعب وقواته المسلحة.
وفق الأخبار المتداولة، فإن تطورات المشهد في محور الكرمك تشير إلى أن القوة المهاجمة تعيش تحت ضغط نفسي رهيب بسبب الشعور بأنها باتت شبه محاصرة مع تعزيزات عسكرية ضخمة وصلت للفرقة الرابعة مشاة، ما دفع قائد مليشيا الحركة الشعبية جوزيف توكا لتسجيل زيارة خاطفة لمدينة الكرمك أمس السبت، في محاولة لرفع الروحية المعنوية لعناصر المرتزقة هناك، ما يشير. بحسب الخبير العسكري، اللواء معاش محمود سيد أحمد، إلى أن الجيش يهئ محور الكرمك لساحة صيد كبيرة للقضاء على هذه القوة ومنعها من التمدد لعمق الإقليم.
واعتبر سيد أحمد، أن الجيش عادة لا يدير جميع محاور القتال بخطة واحدة، حيث لكل منطقة ظروفها وتعقيداتها وخططها التي تتوافق معها، فهو عندما ينسحب من منطقة، فإن ذلك يعني أنه الخيار العسكري المناسب في تلك اللحظة وينطبق الأمر نفسه في حالة الدفاع عن منطقة أخرى، ويرى اللواء محمود أن جميع هذه التفاصيل تخدم الخطة الكلية للجيش والتي تقود في النهاية لسحق المليشيا وطردها من أراضي السودان، مشيرا إلى أن الجيش يخوض حربا واسعة وليس معركة صغيرة، ما يتطلب معه خططا مرنة تحافظ على الجنود لا الأرض، التي قطعا ستسترد.