التصعيد الإثيوبي على الحدود الشرقية للسودان..قراءة استراتيجية في أبعاد التوغل ودعم المليشيات
د. ميمونة سعيد آدم
*هنالك على أرض الواقع تحولات تاريخه أمنية معقدة، تتداخل فيها الأبعاد الداخلية بالصراعات الإقليمية، بما يعكس بيئة استراتيجية شديدة الحساسية.. وفي هذا السياق، برزت التطورات الأخيرة على الحدود الشرقية، خاصة في مناطق النيل الأزرق والفشقة، كواحدة من أخطر المؤشرات على تصعيد ممنهج يستهدف تقويض سيادة الدولة السودانية وإضعاف قدرتها على إدارة معركتها الداخلية.
*إن التوغل الذي قامت به قوات الدعم السريع (بعد أن تلقت ضربات قاسمة في اقليم كردفان)، والمدعوم – وفق ما تشير إليه عدة معطيات ميدانية وتحليلات استراتيجية – بعناصر ذات صلة بإثيوبيا، لا يمكن فصله عن السياق العام للصراع في السودان. *فالمشهد يتجاوز كونه مجرد احتكاك حدودي تقليدي، ليعكس نمطًا من التداخل العملياتي بين أطراف غير نظامية ودول إقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
*تاريخيًا، لم تكن العلاقات السودانية الإثيوبية مستقرة على نحو دائم، إذ ظلت قضية الحدود، لا سيما في منطقة الفشقة، مصدر توتر مزمن بين البلدين. ورغم وجود اتفاقيات قانونية واضحة تعود إلى الحقبة الاستعمارية لترسيم الحدود، إلا أن الواقع الميداني ظل يشهد اختراقات متكررة، تمثلت في استيطان مزارعين إثيوبيين داخل الأراضي السودانية، أحيانًا تحت حماية غير مباشرة من القوات الإثيوبية. هذه السوابق التاريخية تجعل من التصعيد الحالي امتدادًا لنمط سلوكي قائم، لكنه يتخذ اليوم طابعًا أكثر خطورة وتعقيدًا.
*ما يثير القلق بشكل أكبر هو الحديث المتزايد عن أدوار إثيوبية تتجاوز التغاضي أو الدعم غير المباشر، لتصل – بحسب بعض التقديرات – إلى مستويات من التنسيق اللوجستي والعسكري مع قوات الدعم السريع. وتشمل هذه الأدوار، وفقًا لتلك المؤشرات، فتح مسارات إمداد عبر الحدود، وإقامة معسكرات تدريب داخل الأراضي الإثيوبية، بل وحتى استخدام بنى تحتية متقدمة مثل المطارات لتأهيل عناصر ومرتزقة لصالح هذه القوات. ووفقاً لذلك فأن تلك المعطيات بشكل قاطع تمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة التهديد، وبنقل العلاقة بين البلدين من حالة التوتر الحدودي إلى مستوى المواجهة المباشرة وغير المباشرة.
*من منظور استراتيجي، يمكن قراءة هذا السلوك الإثيوبي في إطار عدة اعتبارات.. أولها، محاولة استغلال انشغال السودان بصراعه الداخلي لإعادة فرض وقائع جديدة على الأرض في المناطق الحدودية المتنازع عليها.. وثانيها، السعي إلى امتلاك أوراق ضغط إضافية في ملفات إقليمية أخرى، مثل قضية سد النهضة، عبر إضعاف الموقف التفاوضي السوداني. وثالثها، الدخول في لعبة المحاور الإقليمية، حيث تتقاطع مصالح قوى متعددة في الساحة السودانية، بما يفتح المجال أمام تحالفات غير معلنة وتنسيقات ظرفية.
أما فيما يتعلق بالإشارة إلى دور بعض الدول الإقليمية، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، في دعم قوات الدعم السريع، فإن هذا البعد يضيف طبقة أخرى من التعقيد للمشهد.. ففتح مسارات لوجستية متعددة، وتوسيع رقعة العمليات، المقصود به ارهاق القوات المسلحة السودانية وتشتت جهودها، خاصة في ظل حرب متعددة الجبهات.. هذا النمط من (حرب الاستنزاف المركبة) يهدف، في جوهره، إلى إطالة أمد الصراع ومنع حسمه عسكريًا في المدى القريب.
*غير أن مثل هذه السياسات، سواء من قبل إثيوبيا أو غيرها من الأطراف، تنطوي على مخاطر استراتيجية كبيرة على المدى البعيد.. فزعزعة استقرار السودان، باعتباره دولة محورية في منطقة القرن الإفريقي، قد تؤدي إلى تداعيات عابرة للحدود، تشمل تصاعد النزاعات الإثنية، وانتشار الجماعات المسلحة، وتفاقم أزمات اللاجئين، فضلًا عن تهديد طرق التجارة الإقليمية.. وبالتالي، فإن أي مكاسب تكتيكية قصيرة الأجل قد تتحول إلى أعباء استراتيجية ثقيلة.
*من زاوية القانون الدولي، فإن أي توغل داخل أراضي دولة ذات سيادة، أو دعم مباشر أو غير مباشر لقوى مسلحة غير نظامية تقاتل ضد الحكومة الشرعية، يُعد انتهاكًا صريحًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، خاصة ما يتعلق باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. كما أن استخدام الأراضي الوطنية كمنصة لتدريب أو تمويل جماعات مسلحة تستهدف دولة مجاورة، يمكن أن يندرج ضمن الأفعال العدائية التي تستوجب المساءلة الدولية.
*وعليه، فإن المطلوب في هذه المرحلة لا يقتصر على الردود العسكرية أو الأمنية، رغم أهميتها، بل يمتد ليشمل تحركًا دبلوماسيًا وقانونيًا واسع النطاق.. ينبغي على السودان تفعيل أدواته في المحافل الإقليمية، مثل الاتحاد الإفريقي ومجلس السلم والأمن الإفريقي، لطرح هذه الانتهاكات بشكل موثق، والسعي إلى تشكيل موقف إفريقي موحد يرفض زعزعة استقرار الدول الأعضاء.. كما يمكن اللجوء إلى الآليات الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن، لزيادة الضغط على الأطراف المتورطة.
*في الوقت ذاته، تبرز أهمية إعادة ترتيب الجبهة الداخلية السودانية، وتعزيز التماسك الوطني، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة أي تدخلات خارجية. فكلما كانت الدولة متماسكة سياسيًا ومجتمعيًا، تضاءلت فرص استغلالها من قبل القوى الإقليمية والدولية.
*خلاصة القول، إن ما يحدث على الحدود الشرقية للسودان ليس مجرد حادثة عابرة، بل هو مؤشر على تحول في طبيعة التهديدات التي تواجه الدولة، من صراعات داخلية إلى تداخلات إقليمية معقدة.. والتعامل مع هذا الواقع يتطلب رؤية استراتيجية شاملة، تجمع بين الحزم في حماية السيادة، والمرونة في إدارة العلاقات الإقليمية، والفاعلية في توظيف الأدوات الدبلوماسية والقانونية. *فالسودان، بما يمتلكه من عمق تاريخي وجغرافي، قادر على الدفاع عن حقوقه، لكن ذلك مرهون بمدى قدرته على قراءة المشهد بدقة، والتحرك بذكاء في بيئة إقليمية شديدة التقلب.