
إجازة الهيكل الراتبي لأساتذه الجامعات.. بين إنقاذ التعليم العالي أو انهيار المستقبل
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*يشكل ملف أوضاع أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السودانية اليوم أحد أخطر الملفات المرتبطة مباشرة بمستقبل الدولة، لأنه لا يتعلق بفئة مهنية فحسب، بل يمس صميم القدرة الوطنية على إنتاج المعرفة، واستمرار مؤسسات التعليم العالي، وحماية ما تبقى من رأس المال البشري في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية بالغة التعقيد.
*لقد أصبحت قضية إجازة الهيكل الراتبي ولائحة شروط خدمة أساتذة الجامعات ضرورة تتجاوز حدود المطالب النقابية التقليدية، لتتحول إلى قضية دولة بامتياز، مرتبطة باستقرار الجامعات، ووقف الهجرة المتسارعة للعقول، وإعادة بناء الثقة بين الأستاذ الجامعي والدولة.
*إن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ضعف الأجور، وإنما في غياب منظومة قانونية متكاملة تنظم الوضع الوظيفي للأستاذ الجامعي. فحتى الآن، لا يزال هذا القطاع الحيوي يعاني من تباين في المعالجات بين الجامعات، وغياب إطار موحد يحدد الحقوق والواجبات والمسار الوظيفي والضمانات المالية والمهنية، بما يتناسب مع طبيعة العمل الأكاديمي القائم على الاستقلالية والبحث والإنتاج العلمي.
*ومن الناحية القانونية، فإن استبعاد أعضاء هيئة التدريس من قانون الخدمة المدنية بموجب الإطار التشريعي لسنة 2018 لا يعني تركهم في فراغ تنظيمي، بل يعني قانوناً وجوب إصدار لائحة أو نظام خاص بهم.. فالقاعدة المستقرة في الفقه الإداري أن الفئات المستثناة من القوانين العامة يجب أن تُنظم بقوانين أو لوائح خاصة، تراعي طبيعة وظائفها، وتضمن العدالة والاستقرار، كما هو الحال في بعض المرافق ذات الطبيعة الخاصة وعلى رأسها القضاء.
*وعليه، فإن غياب لائحة شروط الخدمة يمثل خللاً تشريعياً واضحاً، لأنه يترك العلاقة الوظيفية عرضة للاجتهاد الإداري وتباين التفسيرات، ويحول كثيراً من الحقوق إلى مزايا تقديرية غير مستقرة، مما يضعف المركز القانوني للأستاذ الجامعي ويؤثر على استقراره المهني والمعيشي.
*إن إجازة الهيكل الراتبي ليست مجرد زيادة مالية أو تعديل في المرتبات، بل هي تأسيس لبنية عدالة وظيفية شاملة، تربط بين الدرجة العلمية والمسار الأكاديمي والبحث العلمي، وتعيد الاعتبار لمكانة الأستاذ الجامعي بوصفه محور العملية التعليمية والبحثية في الدولة.. كما أنها تمثل أداة فعالة لوقف نزيف الهجرة المتزايد للكفاءات، الذي أصبح يهدد وجود الجامعات السودانية ذاتها.
*وفي هذا السياق، فإن ما تم اتخاذه من زيادات في المرتبات، رغم أهميته الجزئية، يظل غير كافٍ في ظل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، حيث تتآكل القيمة الحقيقية للأجور بسرعة، مما يجعل المعالجات المالية المؤقتة غير قادرة على إحداث استقرار حقيقي أو خلق بيئة أكاديمية جاذبة.. فالمطلوب ليس رفع الأجور بصورة منفصلة، بل بناء هيكل راتبي متكامل ومستقر، يعالج جذور المشكلة لا أعراضها.
*لقد أثبتت التجارب المقارنة داخل الدولة أن الفئات التي حظيت بهياكل خاصة، وعلى رأسها القضاء وبعض الأجهزة السيادية، قد استفادت من استقرار وظيفي ومالي واضح، وهو ما يطرح سؤال العدالة المؤسسية: لماذا يُترك الأستاذ الجامعي، وهو صانع العقول وباني المعرفة، خارج إطار هذه الحماية الهيكلية؟.
*إن استمرار هذا الوضع لا ينعكس فقط على الأساتذة، بل يمتد أثره إلى جودة التعليم العالي، وقدرة الجامعات السودانية على المنافسة، وإنتاج المعرفة، بل ويؤدي إلى تسارع فقدان العقول وهجرة الكفاءات، وهو ما يمثل خسارة استراتيجية يصعب تعويضها.
*كما أن غياب لائحة شروط الخدمة أدى إلى حالة من التشتت التنظيمي بين الجامعات، وتعدد القرارات الإدارية، وضعف الحماية القانونية، وغياب مرجعية واضحة للحقوق والواجبات، الأمر الذي يضعف الثقة في النظام الأكاديمي ككل، ويجعل الوضع الوظيفي للأستاذ عرضة للتغيرات غير المستقرة.
*إن المطلوب اليوم هو قرار سياسي وتشريعي واضح، يعكس إرادة حقيقية لإصلاح التعليم العالي، عبر إجازة فورية للهيكل الراتبي ولائحة شروط الخدمة، مع وضع جدول زمني واقعي للتنفيذ، بما يمكن أن يبدأ اعتماده في ميزانية 2026، على أن يُعلن التنفيذ التدريجي في ميزانية 2027، وهو ما كان سيشكل رسالة ثقة وجدية وانحياز حقيقي للعلم والتعليم.
*إن الاستثمار في الأستاذ الجامعي ليس عبئاً مالياً، بل هو استثمار في مستقبل الدولة نفسها، وفي قدرتها على إعادة البناء والاستقرار. فالدول لا تُقاس بمواردها فقط، بل بقدرتها على حماية علمائها ومعلميها وضمان بيئة تحفظ كرامتهم وتؤمن استمرار عطائهم.
*وخلاصة القول إن إجازة الهيكل الراتبي ولائحة شروط الخدمة لم تعد خياراً مؤجلاً أو مطلباً فئوياً، بل أصبحت ضرورة وجودية تتعلق بمصير التعليم العالي في السودان، وبقدرة الدولة على حماية عقلها الوطني من الانهيار.. فإما أن يُعاد بناء هذا النظام على أسس العدالة والاستقرار، أو يستمر نزيف العقول حتى يفقد التعليم معناه ودوره في بناء المستقبل.