تفاصيل وأسباب إنهيار محطة ام بنين.. أكبر وأهم مركز بحثي للحيوان في السودان(2)
- مؤامرة لتفكيك محطة أبحاث ام بنين
- موت المحطة ضياع لذاكرة وخبرات متراكمة لعلماء أجلاء
- طبيب بيطري: كان يفترض حماية المحطة وعدم تركها للموت بتلك الطريقة الخبيثة المؤلمة
- مواطنو ام بنين: حريصون على المساهمة مع الحكومة لإعادة تأهيل المحطة
تحقيق ــ التاج عثمان:
لو إستمرت محطة أبحاث ام بنين بهذا النهج لأصبح الإقليم الأوسط هولندا السودان.. هذا الحُلم او التوقع المستقبلي صاحبه آخر مدير أجنبي لمحطة أبحاث ام بنين قبل السودنة وهو هندي الجنسية.. لكن للأسف لم يتحقق حُلم العالم الهندي بل إنهارت المحطة البحثية منذ أوائل التسعينات وتحولت لمجرد زريبة خاوية على عروشها من الابقار والتي ماتت منها أعدادا كبيرة ومن نجت من الجوع والإهمال والأمراض لحقتها سكاكين الفاسدين إما بالبيع او الذبح رغم أنها كانت تضم سلالات لأبقار مهجنة نادرة.. التحقيق الإستقصائي التالي يكشف على حلقات تفاصيل وأسرار تنشر لأول مرة حول الأسباب الحقيقية لإنهيار وضياع محطة أبحاث ام بنين أكبر وأهم مركز بحثي للحيوان في السودان وافريقيا.
شاهد عيان:

الإمام الله جابو أحد مواطني منطقة ام بنين، من المتابعين والمهتمين للتطورات والمشاكل التي مرت ببمحطة أبحاث ام بنين، لكونه من أبناء المنطقة الناشطين، إلتقيت به من خلال هذه الحلقة الثانية من التحقيق الصحفي، فقال:
محطة أبحاث ام بنين واحدة من محطات الأبحاث التي تم إنشاؤها في السودان منذ خمسينات القرن السابق، وكان لها دور أساسي في تنمية الثرة الحيوانية، من مواشي وأغنام وماعز وغيرها.. وهي واحدة من 20 محطة أبحاث بيطرية أنشئت في السودان.. والهدف الأساسي لمحطة أبحاث ام بنين، كما عرفنا من الوثائق والمسئولين، هو تقديم الخدمات البيطرية من الأمصال ومتابعة الأمراض التي تصاب بها أبقار الكنانة، حيث ان الأمراض التي تصاب بها أبقار الكنانة تختلف من سلالة لأخرى حسب طبيعتها وتعاملها مع الطبيعة وحجم الأمطار المتساقطة في المنطقة ودرجة تحمل الأبقار للأمراض.. فالتخصصية في محطات الأبحاث البيطرية تعتمد على حسب المشاكل التي تواجه الأبقار بكل منطقة، ودرجة تقديم الخدمات المناسبة والتقنيات المناسبة لرفع إنتاجية سلالة ابقار الكنانة سواء كانت لحوم او البان، بجانب الوقاية بتقديم الأمصال.
المحطة بدأت بشكل ممتاز من الفنيين البريطانيين، ونجحوا وقتها في توفير قطيع كبير جدا من أبقار الكنانة، اجروا عليها دراسات علمية أدت لنتائج ممتازة يتم تطبيقها على القطيع الموجود بكل المنطقة بالتنسيق مع أصحاب الابقار في المنطقة والمسؤولين.. واذكر انه كان من اكبر ملاك الابقار بالمنطقة من أهلنا القدامى الذين عاصروا إنشاء المحطة جدنا، المهدي حبيب الله، وجدنا الإمام محمد جودة، وعدد من أصحاب الأبقار الأخرى، وعن طريقهم تم تقديم خدمات كبيرة للقطاع من علاج وتحسين سلالة وبالتالي تحقيق هدف المنطقة والمحطة معا.. وتم إختيار ام بنين لقيام المحطة لوجود أهل الخبرة بتربية الأبقار بالمنطقة، ولذلك نجحوا في عكس المشاكل التي كانت تواجه ابقارهم.
بداية الإنهيار:
يواصل المواطن، الإمام الله جابو، حديثه للصحيفة متناولا بداية إنهيار محطة أبحاث ام بنين بقوله:” منذ بداية الخصخصة في أوائل التسعينات والتي شملت كل المشاريع الزراعية تم حل المراكز البحثية، وكانت من أبرز المشاكل التي واجهت محطة ام بنين في التسعينات عدم توفر الدعم الحكومي اللازم لإجراء البحوث، حيث انها أصلا محطة خدمية وليست ربحية، وبالتالي دخلت في إطار خصخصة المشاريع الزراعية.. وقتها دخلت المحطة في عقد عمل مع شركة، (هاداك)، والتي بدأت عملها في المحطة بصورة كبيرة جدا، حيث جلبت عدد كبير من الابقار والآليات وقامت بزراعة العلف بمزرعة المحطة، لكن كان ذلك بهدف ربحي وليس لتطوير خدمات المحطة الأساسية التي أنشئت من أجلها والمتمثلة في الخدمات البيطرية وتربية الحيوان ورفع الإنتاجية.. وبعد خروج الشركة إنهارت المحطة وتراجعت خدمات القطيع المخصص للأبحاث، وفقدت المعامل والمكاتب، وتم بيع الآليات الزراعية الخاصة بمحطة الأبحاث في عطاء عام، وجفت ترعة المزرعة التي كانت تغذي الابقار بالعلف، وبالتالي أصبحت محطة ام بنين بدون موارد ذاتية حتى تساهم في تطوير وتنمية الثروة الحيوانية بشكل عام وفي المناطق المعنية بشكل خاص، ففقدت منطقة ام بنين وولاية سنار خدمات بيطرية كثيرة كانت تقدم لأبقار المنطقة داخل المحطة.. ونتيجة لذلك تفشت الأمراض وسط الابقار لإنعدام الإستشارات البيطرية مما كان له الأثر الكبير في تدني القطيع.. ورغم مطالبات أهل المنطقة بضرورة الإهتمام بالمحطة لكنهم لم يجدوا إستجابة لا من إدارة المحطة ولا على مستوى الوزارة الإتحادية، بحجة عدم وجود تمويل كافي لتطوير محطات الأبحاث البيطرية بما فيها محطة أبحاث ام بنين.. حتى المدراء الذين كان يتم إبتعاثهم لإدارة المحطة كانوا محدودي الإمكانيات وقاصري المقدرة لخلق موارد ذاتية ليتم تطوير من خلالها المحطة ويعيدوا ولو جزء من الإمكانيات والخدمات التي كانت تقدمها المحطة ، حيث لم يكن لديهم اي خطط او إستراتيجيات لتطوير الموارد الذاتية رغم اننا كأهالي منطقة ام بنين جلسنا معهم كمواطنين بالمنطقة للتفاكر معهم للإستفادة من الموارد وتحريكها وتوظيفها حتى تدر عائد للمحطة لتطويرها، لكن لا حياة لمن تنادي.
رسالة من ام بنين:
ويضيف: في رأي ان محطة ام بنين يمكن ان تلعب دورا كبيرا في تطوير القطيع والثروة الحيوانية في السودان بشكل عام ومنطقة ام بنين بشكل خاص، والهم والدور الأكبر يقع على حكومة ولاية سنار والتي لها دور أيضا في تحريك ملف المحطة، وكذلك أهالي المنطقة لهم دور كبير لأن المحطة تلعب دورا كبيرا في تطوير قطعانهم، سواء في ام بنين او سنجه او أبو نعامه او مينا والمناطق الاخرى.. عموما على الدولة ان تنظر لمحطات البحوث بعين الإعتبار وتطويرها حتى تساهم في تطوير وتنمية الثروة الحيوانية في السودان بشكل عام، خاصة محطة أبحاث ام بنين والتي كانت تعد من أكبر المحطات البحثية في السودان وقدمت وأسهمت بالكثير للثروة الحيوانية.. وكذلك لمواطني المنطقة دورهم أيضا بوعيهم وإهتماهم بالقطاع، علما ان الثروة الحيوانية يمكن ان تشكل أكثر من 40% من الأصول المملوكة لأهل المنطقة.
ورسالتنا كمواطنين في منطقة ام بنين اننا حريصون على المساهمة في أي جهود حكومية ترمي لتطوير المحطة وإعادة تأهيلها، وسنكون معهم في كل خطوة ترمي لتطويرها.. والحكومة الحالية بإهتمامها الحالي وبالميزة النسبية المتوفرة للسودان في الطلب العالمي للغذاء واللحوم والالبان، تعد دافعية كبيرة لها ان تسعى جادة في تطوير محطات الأبحاث البيطرية والتي من خلالها يتم تطوير القطيع ورفع إنتاجيته ومساهمته في الناتج المحلي الإجمالي.. وكذلك رفع مساهمته في صادرات البلاد وتوفير العملات الحرة بشكل كبير حتى تحقق الإستقرار للإقتصاد السوداني.
حبس أنفاس المحطة:

طبيب بيطري عمل لفترة طويلة في مجال الثروة لحيوانية ــ فضل حجب إسمه ــ تحدث بـ(مرارة) للصحيفة عما آلت إليه محطات بحوث الثروة الحيوانية خاصة محطة أبحاث ام بنين، مشيرا بصوت لا يخلو من عبارات الحسرة والأسف.
محطة أبحاث ام بنين كانت ستغير وجه الثروة الحيوانية في السودان، لكن المشروع، بعد سنوات طويلة من البحوث العلمية والسجلات، إنطفأ في أوائل التسعينات مخلفا وراءه سؤال كبير: هل إنهيار محطة أبحاث ام بنين كان إهمالا، ام ان هناك مؤامرة لـ(تفكيك) له.. فمحطة أبحاث ام بنين لم تكن حظيرة ابقار، بل مشروع بحثي لتطوير سلالة ابقار الكنانة وبالتالي تطوير الثرو الحيوانية بكل المنطقة.. محطة أبحاث ام بنين لم تكن تعمل بعشوائية لتحسين سلالة ابقار الكنانة عبر (الطلائق) ــ الثيران ــ بل بعلمية ومنهجية، وخسارة المحطة بمثل هذه البساطة والإستغفال لا تعني ضياع مزرعة أبقار، بل ضياع ذاكرة وخبرة متراكمة لعلماء أجلاء في علم البيطرة وتطوير الثروة الحيوانية في السودان على مر السنين.. ويضيف الطبيب البيطري في لهجة غاضبة مستنكرة:
محطة ام بنين عانت من إهمال مقصود أدى إلى توقفها في أوائل التسعينات.. وهناك حقيقة يجب قولها، المشاريع العلمية لا تموت فجأة، بل تقتل وتُحبس أنفاسها بحبس التمويل عنها.. فمحطة أبحاث ام بنين مؤسسة علمية كاملة ماتت وهي واقفة بسبب سوء النية، وسوء الفهم واللامبالاة، وكان يجب ان تحمى لا ان تترك للموت بتلك الطريقة المؤلمة الخبيثة.
الحلقة القادمة:
– محاولات (خجولة) لإعادة تأهيل المحطة.