آخر الأخبار

لندن …وذكريات قديمة

بُعْدٌ .. و .. مسَافَة

مصطفى ابوالعزائم

 

رحم الله أستاذنا علي بن أحمد  أو (علي بن)

Ali Ben

إن كان حياً أو ميتاً ، فقد مضت سنوات عديدة منذ أن فارقناه في مدرسة أم درمان الأميرية الوسطى، وساعتها الفخمة الضخمة التي تشابه ساعة (بيغ بن)، وقد عرف عامة الناس المدرسة الأميرية في أم درمان ب(مدرسة الساعة)، وكان أهل ذلك الزمان يقولون : (المدرسة أم ساعة وجرس الما درس فيها ما درس) وهي التي كنا ندرس بها ونتلقى العلم على أيادي أساتذة أفاضل كرام، من بينهم الأستاذ علي بن أحمد، كما كان يحب أن يكون اسمه هكذا، أو (علي بن) اختصاراً، وكان معلماً حاذقاً محباً لعمله حبّب إلينا اللغة الانجليزية والأدب الأنجليزي، وتعرّفنا من خلاله على عدد من كبار الأدباء والروائيين الإنجليز، الذين كنا ندرس رواياتهم (المبسّطة) ضمن المقرر الدراسي الرسمي .. وكان أستاذنا الجليل، يخرج بنا عن أطر تلك المقررات ليقدم لنا ما يمكن أن يكون ثقافة عامة ويسعى لأن نحفظ الأشعار الانجليزية التي يحببها إلينا باللحن والأداء الجيد  ومن بينها قصيدة مشهورة هي (لندن تحترق) التي لازلت أذكر مطلعها الأول الذي يقول:

London is Burning

and we have no water

Fire.. Fire.. Fire

التي تعني الآتي:

لندن تحترق

وليس لدينا ماء

النار .. النار .. النار

*كنا نطرب لطريقة إلقاء استاذنا الجليل علي بن أحمد، ونحاول تقليده، لكننا نقر في دواخلنا أن حريق لندن التاريخي إبان ما عرف بثورة كروميل المولود في 1599م والمتوفى في 1658م الذي إستطاعت إستصدار أمر من البرلمان بأغلبية الأعضاء بالحكم بإعدام الملك شارل الأول في يناير عام 1649م، ثم قاد حملة تأديبية على إيرلندا وقمع ثورتها بوحشية لم يسبق لها مثيل ، ليصبح أقوى رجل في البلادع، وقضى على الملكية ليحول إنجلترا إلى جمهورية ، ووضع دستوراً جديداً ، وظل حاكماً مطلق اليد إلى أن توفي عام 1658م لتعيش بريطانيا أقصر فترة حكم جمهوري في تاريخها.

*أعود وأقول بأننا كنا نقرّ في دواخلنا بأن حريق لندن التاريخي هو (شئ من الماضي) لن يعود أو يتكرر، وكنا نضع بريطانيا في مصاف الدول الراسخة المستقرة التي لا يحدث فيها ما يحدث عندنا .. ثم مرت السنوات وكبرنا وعلمنا أن الصورة الذهنية المبنية على (الميديا) من إذاعة وتلفزيون وسينما لا تكون دائماً صحيحة، وكنت قد زرت بريطانيا وبقيت في لندن فترة كافية للتعرف عليها وعلى أهلها، ورفضت أن أبقى للعمل بإحدى الصحف العربية التي تصدر هناك، رغم الميزات المرجوة، كما كان يقول لي أستاذنا وأستاذ الاجيال الكبير الراحل حسن ساتي، وصديقنا (الرسيل) الزميل الأستاذ إمام محمد إمام.

*وقد أثبتت الأيام التي أعقبت وفاة الملكة اليزابيث الثانية، والحزن الذي لفّ بلاد الإنجليز، سواء في لندن أو بقية المدن الانجليزية تغيير( روتين) كل بريطانيا، فلندن وكل المدن البريطانية عاشت آنذاك مرحلة جديدة برحيل ملكتها التي ظلت رمزاً عايشته أجيال متتابعة .. لكنه غاب ليصبح جزءاً من تاريخ الإمبراطورية التي لم تكن الشمس تغيب عنها ، ولتبدأ مرحلة جديدة يقودها الملك تشارلز الثالث، والذي رأى الإنجليز أنه سيصبح رمزاً جديداً ، وفي أنه سيحافظ على إرث ملوكي قديم.

*الذاكرة السودانية لا زالت تحفظ زيارة الملكة اليزابيث الثانية لبلادنا في العام 1965م، وزيارتها لكثير من المعالم ومن بينها حديقة الموردة في أم درمان … ولن تنسى أن رمز السيادة والحكم في بلادنا الآن الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان ، شارك بإسم كل السودانيين في الوداع الأخير لملكة أحبها أبناء شعبها وكثير من السودانيين، خاصةً أبناء جيل ما بعد الإستقلال والذين نالوا دراسات في الجامعات البريطانية أو الذين عملوا هناك ، وغيرهم وغيرهم.