آخر الأخبار

سوق السيارات بالخرطوم.. أسعار فلكية ونشاط محدود

لا يمكن المقارنة بين سوق السيارات في العاصمة الخرطوم قبل وبعد استعادة الجيش السيطرة على كامل حدود الولاية؛ إذ باتت الأسعار “فلكية وباهظة”، كما يصفها بعض السماسرة الذين يتلمسون نشاطًا محدودًا في هذا المجال.

 

وقبيل اندلاع الحرب، أي في الفترة التي سبقت منتصف أبريل 2023، كانت تُباع سيارة من طراز “سانتا في” التي تنتجها شركة “هيونداي” (موديل 2020) بسعر 18 مليون جنيه، أما اليوم فتُباع السيارة نفسها بسعر 120 مليون جنيه، بزيادة بلغت نسبتها 566%.

 

انهيار الأسواق

بالكاد التقط سوق السيارات بالعاصمة الخرطوم أنفاسه بعد أن تعرض لانهيار غير مسبوق، سواء على مستوى الأصول أو البنية التحتية؛ إذ فُقدت مئات السيارات التي كانت “رابضة” قرب “دلالة السوق المحلي” الواقعة جنوبًا بالقرب من المدينة الرياضية، كما واجهت عشرات الأسواق حول العاصمة المصير ذاته، وأشهرها بمنطقة “الكرين” بالخرطوم بحري.

 

 

وكانت الأسواق سابقًا تتيح الحصول على سيارات تتناسب مع مداخل الأشخاص الباحثين عن أنواع مختلفة من المركبات، سواء كانت رياضية أو لأغراض التنقل بين المنزل والعمل، بالإضافة إلى سيارات تعكس رفاهية ملاكها من طراز “لاند كروزر” المصنعة في اليابان، والتي تُباع حاليًا بسعر يتجاوز 175 مليون جنيه (ما يعادل 55 ألف دولار)، بعد أن كان سعرها 30 مليون جنيه قبيل اندلاع القتال (وكان السعر حينها يعادل 18 ألف دولار أمريكي).

 

تبدل الواقع

يقول منتصر الأمين، وهو وسيط لبيع السيارات في السوق المحلي جنوبي الخرطوم، لـ”الترا سودان”: “إن سوق السيارات اختلف تمامًا عما كان عليه قبل الحرب؛ فقد تبدل وضع الأسعار والمعروض خلال ثلاث سنوات بشكل كبير”.

 

ويوضح الأمين أن السوق في الخرطوم لم يستعد نشاطه بشكل كامل؛ نظرًا لأن قطاعًا كبيرًا من المواطنين فقدوا سياراتهم بسبب النهب والسرقة، لا سيما خلال سيطرة قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من العاصمة وانتشارها في غالبية الأحياء السكنية.

 

كما تعرضت مئات السيارات المتعطلة على جانبي الطرقات إلى ما يسمى بـ”التشليع”، أي نزع محتوياتها وبيعها في أسواق “الخردة”، وهي أنشطة لم تتوقف حتى بعد استعادة الجيش السيطرة الكاملة على ولاية الخرطوم، حسب قوله.

 

نماذج الأسعار

إذا عُرضت على الشخص سيارة صغيرة من شركة “هيونداي” طراز “Atoz” الآن، فلن يقتنيها قبل دفع قرابة 9 ملايين جنيه (ما يعادل 2.7 ألف دولار)، وقد يرتفع سعرها كلما كانت بحالة جيدة وبموديل حديث (لا يقل عن العام 2005).

 

ويستورد السودان منذ أكثر من عشرين عامًا السيارات من كوريا الجنوبية (ماركة هيونداي) وأخرى صينية الصنع، وتأتي سيارات “تويوتا” المصنعة في اليابان، وتحديدًا الشاحنات ذات الدفع الرباعي، كخيار مفضل لقطاع التجار والمسؤولين الحكوميين وشركات الليموزين، لقدرتها العالية على السير في المناطق الوعرة والطرق الترابية.

 

ويُعرض حاليًا طراز “تويوتا” (شاحنة صحراوية) موديل 2020 بقيمة 90 مليون جنيه (ما يعادل 25 ألف دولار). ويعتقد منتصر الأمين أن الأسعار لن تتوقف عند هذا الحد في ظل تقلبات سعر الصرف والتآكل المستمر لقيمة الجنيه السوداني، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن ارتفاع أسعار الوقود أحدث حالة من الركود؛ بسبب صرف الناس النظر عن اقتناء المركبات لتجنب تكاليف الوقود المرتفعة.

 

إحصائيات الشرطة

وفقًا لبيانات صادرة عن الشرطة السودانية، نُهبت قرابة 153 ألف سيارة من العاصمة الخرطوم حتى  يونيو 2024، بناءً على البلاغات التي أرسلها الملاك عبر المنصات الإلكترونية. وتشير تقديرات أخرى إلى أن هذا الرقم يقتصر فقط على الملاك الذين تمكنوا من الإبلاغ، بينما قد تكون النسبة الحقيقية أعلى بكثير.

 

وعلى سبيل المثال، تبدأ أسعار سيارة “سانتا في”، وهي مركبة عائلية (موديل 2025-2026)، عالميًا بسعر يتراوح بين 30 إلى 35 ألف دولار، بينما تُباع في السودان بسعر لا يقل عن 200 مليون جنيه (ما يعادل 90 ألف دولار).

 

ويعزو العاملون في الأسواق هذا الفارق الضخم إلى التعرفة الجمركية التي تفرضها الحكومة على السيارات الجديدة المستوردة حديثًا عبر الموانئ؛ إذ ترتفع الرسوم مع حداثة الموديل.

 

مستقبل السوق

ورغم إعلان الحكومة منذ منتصف العام 2024 استثناء نسبة من السيارات المستعملة من القيود المفروضة على استيرادها في السنوات الماضية، فإن الرسوم الجمركية المرتفعة لم تُغرِ الشركات أو المعارض أو الأفراد بجلبها من الخارج.

 

وثمة مقولة شائعة بين المشتغلين في تجارة السيارات بالخرطوم مفادها أن: “الحكومة السودانية تحصل، عبر الضرائب المفروضة على الواردات، قيمة تعادل ثمن المركبة مرتين على الأقل”. هكذا يفسر أحد العاملين في بيع السيارات بمدينة عطبرة الوضع، منوهًا إلى أن انتعاش السوق مرهون بخفض الجمارك، وتتبع السيارات المنهوبة، وممارسة الضغوط على قوات الدعم السريع لاستردادها حتى لو عبرت إلى دول الجوار.

 

وأردف قائلًا: “لماذا ظل هذا الملف طي الكتمان؟ ولماذا لا تلاحق الحكومة السودانية الأصول المنهوبة، بما في ذلك عشرات الآلاف من السيارات ومركبات النقل العامة؟”.